الهوية السلفية والصعود السلفي السياسي الحزبي

نشر في:

يرى الكثير من الباحثين أن ثمة خطراً ما على الهوية السلفية ومن تحول تياراتها العلمية والتعليمية وغيرها إلى تكوين أحزاب سياسية في مصر وتونس وغيرها بعد الثورات العربية، رغم الموقف السابق لها من مسألة الحزب ومن الديمقراطية ومن غيرها، وهنا يلح الباحث الشيخ عبد المنعم المشوح على هذا الخطر وهو باب مفتوح للنظر والحوار دائماً.

إذا فهمنا طبيعة تركيب السلفية استطعنا قراءة المتغيرات وأثرها على أدبياتها ومفاهيمها وأصولها والمخاطر المُتوقعة التي تنتظر التيار السلفي المُتبنّي للعمل السياسي الحزبي ؛ لذلك نحاول استقراء طبيعة السلفية من خلال ثلاثة عناصر رئيسة

هويّة السلفية

وهنا نُجيب على عدة تساؤلات منطقية:
-هل السلفية حزب؟
-هل هي مذهب؟
-هل هي حركة إصلاحية؟

السلفية بمفهومها الصحيح عبارة عن دعوة إصلاحية ونهضة علمية تجديدية ، وأتباعها يُشكّلون تيارا يتناقلون أصولها وقواعدها كما يتناقلون العلم الشرعي .
وهذه البساطة والعفوية وعدم التعقيد في فهم الهوية السلفية من أهم أسباب انتشارها في العالم وتنامي دوائر المنتمين إليها ، ومُحافظتها على احترام الشارع الإسلامي لمبادئها وقيمها التي لا يشعر المنتمون إليها أنها خطّ خاصّ داخل الكيان الإسلامي.

أدبيات السلفية الخاصّة

بداهة نُدرك عناية السلفية بالعقيدة وتنقيتها من الشوائب ، وعنايتها بالحديث وعلومه وعلوم التفسير والآلة بطريقة تقليدية حفظت تراث الأمّة والأئمة ، وارتباطها القوي بفهم السلف للنصوص الشرعية وممارستهم الواقعية للتطبيقات الفقهية .

لكن داخل هذا الإطار العام والذي ينصب على القالب العلمي التراثي توجد أدبيات تدخل ضمن أبواب السياسة الشرعية وفقه الاحتساب والأساليب الدعوية ، هذه الأدبيات هي التي ميزت السلفية وجعلتها جزءا من الدولة المسلمة ناصحٌ وداعم ، مثل مسائل : طاعة ولي الأمر ، والنصيحة السريّة ، والتدرج في إنكار المنكر ، وعدم إعلان الجهاد إلا بإذن الحاكم ، ورفض كل أنواع الخروج أو التحريض عليه حتى لو كان سلمياً ؛ لأن الأصل دعم السلطة بما أنها لم ترتكب كفرا بواحا عندنا فيه من الله سلطان وبقية اشتراطات الخروج التي تصب في مبدأ عدم الوقوع في محاذير ومفاسد أعظم ، فالسلفية تُضيّق مسار المُعارضة مع التشجيع على المناصحة التي يجب أن تكون وفق الضوابط الشرعية وبناء على مراعاة المصالح والمفاسد.

وفي المجال الدعوي تنظر السلفية إلى الأولويات ولا تنظر إلى الجماهير وتكثير السواد ، فمن أهم أدبياتها التفصيلية إعطاء الناس ما يحتاجون لا ما يُريدون ، وليس الغاية جمع أكبر قدر ممكن من المريدين أو الأتباع بقدر ما تعتني بالكيف ومدى التزام الأتباع بالمنهج السلفي الصحيح.

الإطار العام لأدبيات السلفية – الإطار العلمي التراثي – لم يسبب مُشكلة لدى الواردين من الجماعات الأخرى ، لكن الأدبيات التفصيلية هي التي سببت تشظّي داخل تلك الجماعات وداخل التيار السلفي ؛ لذلك أُدخِل في السلفية من ليس منها ومن يُخالف أدبياتها الأساسية مثل ما يُسمى بالسلفية الجهادية أو السرورية، هذه وإن كانت تلتقي مع السلفية في الإطار العام لكنها تبتعد كثيرا في الأدبيات التفصيلية التطبيقية وحدث الابتعاد والتشظّي عندما حاول هؤلاء تفكيك بعض مفردات السلفية وتحويرها إلى قوالب أخرى اجتهادية لكنها خرجت عن السيطرة بسبب دفع التيار السلفي القوي الذي لديه استعداد إلى ملء الفراغات وصناعة أذرع قوية ونشطة وربما تكون شرسة وتعود على ذات التيار بالمواجهة.

لذلك أعنف المواجهات الفكرية كانت بين ما يُسمى بالسلفية الجهادية والسلفية العلمية ، وهذا المصطلح غير صحيح – من وجهة نظري - ؛ لأن ما يُطلقون عليه سلفية جهادية هي جماعة فكرية جديدة تكوّنت نتاج خليط من الأفكار والمفاهيم وَرَدت على السلفية فحملها التيار على التشظّي السريع.

وهذا يُشير إلى خطورة ما تُحاوله بعض المجموعات السلفية الآن من مُحاولة إلى تحوير بعض أدبيات السلفية لتتلائم مع كون السلفية حزب سياسي يدخل مُعترك البرلمانات والانتخابات والممارسات الديمقراطية ؛ لأن مفردات وأوّليات المشاركة الديمقراطية تُخالف بشكل واضح أدبيات السلفية التفصيلية وموقفها من الدولة والحاكم والشورى والنصيحة.

فالسلفية تُشارك في الدولة كجزء من الدولة وليس كحزب مُنافس ، والعالِم السلفي لا ينزل من كرسي التوجيه والتعليم والدعوة ليلحق كرسي الرئاسة !
نعم ، قد يُشارك بعض رجالات وأتباع السلفية في الحكومة والدولة لكنها ليست مُشاركة حزب أو تيار والفرق كبير وواضح لذوي الاختصاص.

السلوك السلفي

من ملامح السلفية المفصلية مفهومها الشرعي لتزكية النفس ، وطلب الرياسة ، والانشغال بالدنيا ، والتصدر والإعجاب ، وغيرها من المعاني النفسية والسلوكية التي نحت فيها السلفية منحى السلامة والبعد عن الافتتان فهي ترى أن صلاح القلب والباطن أولى من صلاح الظاهر والمظاهر ، وترى أن طلب الرياسة والمدح منقصة وقدح في النية والمقصد ، فكيف بما تفعله الأحزاب من تلميع وتحسين وإغراء بترشيح شخصيات ؟ لاشك أن لديهم مبررات وربما وجدوا في التراث ما يُسعفهم من نماذج نادرة طلبت الرياسة لما تجد في نفسها من صلاح ومقدرة ، لكنها تظل حالات لا يُعوّل عليها في تغيير لتركيبة السلفية السلوكية فتظل السلفية بعيدة عن أجواء المنافسة الحزبية.

لكن الأفراد لهم أن يُشاركوا ويُساهموا في عملية إصلاح بلدانهم إذا فُتِح المجال ؛ لذلك أفتى كبار علماء السلفية في العصر الحديث بجواز المشاركة السياسية إذا غلب على الظن المقدرة على الإصلاح وتخفيف الفساد.

لكنها يجب أن تظل حالة عين ، ويجب أن توضع في مكانها الصحيح بحيث لا نُقحِم السلفية في مُهاترات حزبية ومُداولات سياسية.

بعد فهمنا للسلفية وطبيعتها بعناصرها الثلاث : الهوية والأدبيات والسلوك وتبين لنا المخاوف من محاولة تفكيك بعض هذه العناصر نستعرض بوضوح بعض المخاطر على السلفية ذاتها إن نحت هذا المنحى في التعاطي الحزبي السياسي:

1-ستفقد السلفية شمولها ، فهي الخط العريض الذي يحمِل كل المتنوّعات الفكرية الدينية للتيارات والجماعات الإسلامية ؛ لأنها تحمل وعاء العلم والإرث النبوي الذي هو العمود الفقري لكل الجماعات والتيارات ؛ لذلك نجد أن العالم السلفي يختلف عن مُرشِد الجماعة ، ويختلف عن شيخ الطريقة ، ويختلف عن أمير الجماعة ، العالم السلفي شاملٌ وينضوي الجميع تحت مظلته الفقهية والعلمية فإذا خرج من دائرة الشمولية الواسعة أدخلناه في دائرة الحزبية الضيقة ، وأدخلناه في مضمار المقارنات ، وأصبح العالم السلفي عبارة عن داعم للأجندات الانتخابية.

فمفهوم الدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم الشرعي أكبر بكثير من مفهوم الحزب ، وقد نقبل في مرحلة زمنية ولظروف خاصّة تحزيب جزء من التيار السلفي كما يحدث الآن في مصر ويُعد له في اليمن وتونس والمغرب لكن يجب أن يكون ذلك فرديا وليس باسم السلفية وأن يكون محصورا في شخصيات محددة وألا يُقدّم هذا على أنه المشروع السلفي ؛ لأن المشروع السلفي أكبر من أن يتم حصره في برنامج حزبي ، ومتى ما تم حصره في ذلك فقد شموليته وبالتالي يدخل في مرحلة انحسار وتراجع.

2-ستفقد السلفية بريق شفافيتها وبساطتها وسلاسة أفكارها التي تنتظم مع حاجة الناس التعبدية والسلوكية ، فالسلفية ذات أسلوب يسهل تبنيه فلا توجد حواجز أو اشتراطات أو دوائر سريّة أو تعقيدات تنظيمية كما يوجد لدى هياكل الأحزاب السياسية ، وهذا ما ساهم بشكل كبير في انتشار السلفية في أوساط المجتمعات الإسلامية على اختلاف لغاتها ومشاربها لقربها الشديد من الفطرة بصورتها البسيطة النقية ، فإذا أدخلنا عليها مبادئ الحزبية لاشك أنها ستحصّل مكاسب سياسية وانتخابية لكنها ستفقد المُكوّن السري لانتشارها الكبير والدافع الكاريزمي لانجذاب عامّة الناس إليها.

لذلك لما ندرس بداية انتشار السلفية بصورتها الطبيعية الأصلية في مصر على سبيل المثال نجد أنها انتشرت وامتدت في أوساط الشباب وجميع أطياف المجتمع وهي بهويتها السهلة النقية الشمولية فإدخال تحوير في مكوناتها مُخاطرة تأريخية قد تكون آثارها سلبية أكثر من آثار وتضرر الجماعات الأخرى ذات الأساس الحزبي بدخولها المعترك السياسي، فجماعة الإخوان المسلمين جزء من أدبياتها المشاركة السياسية بل محور من محاورها الأساس التي تدور حولها مناشطها وبرامجها ودعوتها ؛ لذلك تُربي الأجيال على هذا المفهوم بعكس السلفية التي تربيهم على رؤية خاصة للسياسة كجزء ثانوي في المشروع السلفي يقوم على دعم الدولة لا منافسة الدولة والحاكم ، والجزء الأساس من المشروع السلفي هو النهضة العلمية والمحافظة على أصول ثقافة الأمة بشكلها الأوّلي.

3-سيفقد العالم السلفي الكاريزما الدعوية والسمت العلمي الشرعي ، وهذا يُسبب اهتزاز الرؤية ليس فقط لدى السلفية بل لدى الأمة ؛ لأن علماء السلفية هم علماء أمّة وليسوا علماء حزب أو جماعة ؛ لذلك نجد في سيرة أكابر العلماء السلفيين في العصر الحديث قوّة الكاريزما العلمية الدعوية بالإضافة إلى التنسّك والتزهّد وهذا ما أضفى مصداقية للعالم السلفي حتى مع المخالفين له فهم يُدركون تجرّده ويلمسون جوانب الإخلاص في شخصيته ومنهجه.

ولنا أن نتصور أن العالم السلفي أصبح يُسوّق لحزب سياسي ، أو يُزكّي قوائم انتخابية ، لاشك أن الحزب أو القوائم سيحصلون على دفعة معنوية وربما جماهيرية ، لكنه مكسب ضيّق في وقت محدود وفي المقابل خسر العالم السلفي المصداقية الفطرية التي لدى عامّة الناس الذين يفرّقون ببساطتهم بين العالم الرباني المتجرّد الذي ينتمي إلى النص الشرعي الأصيل والعالم المتحزّب الذي ينتمي إلى حزب سياسي ضمن عدة أحزاب متنافسة.

4-المُخاطرة الرابعة التي ستواجه السلفية عند التحوير السياسي : دخول السلفية في دولاب المتغيرات السياسية سريعة الدوران والتقلب والتلوّن وبالتالي إحراج الثبات السلفي أمام كمّ المتغيرات المتعاقبة ، لاشك أن السلفية تلائم المتغيرات وتتناغم مع التجديد والتحديث ولكن في الأساليب والأدوات وليس في الأصول والمنهج والقواعد.

ودخول السلفية في مقارنة حزبية مع الجماعات المُنافسة لها والتي تفوقها تنظيما و اتساعا في دائرة التنازلات ، فلا يُمكن للسلفية أن تُجاري الأحزاب الأخرى في تمييع المفاهيم العقدية والشرعية.

-بعد هذا الاستعراض للمخاطر على الهوية السلفية : قد يرد اعتراضين بدهيين:

-الأول / كيف يمكن للسلفية الآن أن تتعاطى مع الواقع المفتوح خاصّة في الدول التي دخلت مرحلة ما بعد الثورة؟

ويمكن مناقشة هذا الإيراد وفق العناصر المختصرة التالية:
-المحافظة على هوية السلفية ومشروعها الدعوي والعلمي الشمولي أهم من مكاسب وقتية محدودة ومُتوقعة مع وجود مخاطر مؤكدة.

-يُمكن المشاركة في الإصلاح والمساهمة السياسية والمجتمعية عبر قنوات متعددة دون الدخول في تحزّبات ضيّقة تستنزف التيار السلفي الحديث على الواجهة
السياسية وتجعله أداة طحن على مائدة أحزاب أخرى أكبر وأكثر خبرة ، فحينها سيُنظَر إلى السلفية كحزب وبمقاييس ومواصفات حزبية بحتة ولن يُنظر إليه كتيار يحمل نهضة علمية ودعوة إصلاحية.

-يُمكن للسلفيين كأفراد وأشخاص المشاركة السياسية دون إقحام السلفية في هذا المُعترَك ، وألا يُقحم كبار العلماء والدعاة السلفيين أنفسهم في هذه المتاهات ، وربما تطلّب الواقع إنشاء حزب من أفراد سلفيين لكن عليهم أن يُدركوا أن هذا عارض وقتي وليس مشروعا سلفيا استراتيجيا.

-الأمة تقوم بتكاملها ، فليس شرطا أن جميع النُّخب يجب أن يكونوا سياسيين أو قضاة أو علماء ؛ لذلك لابد من التنسيق بين أفراد الأمة لتحقق بمجموعها التكامل المنشود.

فإمام الدعوة الإصلاحية في العصر الحديث الشيخ محمد بن عبدالوهاب نجح في دعوته وتكريس مفاهيم الدعوة الإصلاحية السلفية بتكامله مع شخصية سياسية آمنت بالدعوة والمُصلِح محمد بن عبدالوهاب آمن بالتخصص ، وهذا هو تحقيق مبدأ ( الجسد الواحد ) ، فبناء الدولة الإسلامية لا يعني المنافسة بقدر ما يعني التعاون والتكامل.

-الاعتراض الثاني الذي يُمكن طرحه / أن ما تم ذكره عن تأثر السلفية والمخاطر على هويتها الأصلية يرد على بقية الجماعات التي شاركت في المعترك السياسي وما زالت مستمرة ومحافظة على هويتها كجماعة الإخوان المسلمين!
وهذا يُمكن مناقشته كذلك وفق العناصر التالية:

-ومن قال أن جماعة الإخوان أو غيرها من الجماعات التي شاركت سياسيا لم تتأثر ولم تتغير ولم تفقد أجزاء مهمة من هويتها ؟ وكل دارسٍ وباحث في هذه الجماعات يُدرك مدى التغير الذي طرأ عليها وعُمق الانقسامات الداخلية بسبب الاختلال في توازن الهوية الأصلية.

-بقاء الاسم والشعار وانتشار المكاتب والفروع وضخامة قاعدة المنتمين لا يعني نجاح التجربة ، فالجماعات والتيارات والأفكار بشكل عام تُقاس بتحقيق أهدافها ، فهل ساهم دخول هذه الجماعات في المعترك السياسي في تحقيق أهداف تلك الجماعات ؟ أم أن الجماعة حوّرت أهدافها باتجاه خدمة الهدف السياسي الطارئ!

-لا يعني ذلك هجر العمل السياسي وفق الأطر المسموحة والمتاحة شرعا ونظاما ، لكنه يجب أن يُوضع في مكانه الصحيح ، أما ما نشاهده من بعض الجماعات الإسلامية من الاستماتة الفكرية والاستنزاف العاطفي والسلوكي لأجل هدف سياسي وكأن مشروع الجماعة الأساس هو الوصول للسلطة هذا انحرافٌ منهجي وتغييب لقواعد مهمة في السياسة الشرعية ، فالشريعة تنظر للأمّة كُتلة واحدة مُتنوّعة من الداخل.

-تأثر الجماعات بالمشاركة السياسية لاشك أنه سيكون أقل بكثير من تأثر السلفية ؛ لأن هذه الجماعات لديها أصلا ضمن أدبياتها المشاركة السياسية الحزبية فهي لم تأتِ بجسم غريب داخل جسدها الفكري.