.
.
.
.

مدينة الزبداني السورية.. هدوء استثنائي وسط العاصفة

نشر في:

تعيش مدينة الزبداني السورية حالة "استئثائية" من الهدوء بين مختلف المدن السورية للمرة الأولى منذ انخراطها في الثورة، بعد أيام من انسحاب الجيش منها إثر مفاوضات أعقبت حملة عسكرية ضخمة، وسط سعي لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية في المدينة بعيداً عن تدخل الحكومة السورية.

ومنذ انسحاب قوات الأمن والجيش من داخل المدينة وتمركزه على محيطها في 17 يناير/كانون الأول الجاري، يخرج الأهالي في مظاهرات دون التعرض لها من قبل قوات الأمن والجيش التي تتمركز على أطراف المدينة، في حين لم تسجل الزبداني أية حالة قتل أو اصطدامات بين الأهالي، حسب نشطاء ومعارضين فيها، وذلك بعد مقتل 15 شخصاً وجرح 35 مدنياً فيها خلال الأشهر العشرة الماضية.

حكم ذاتي

وفيما يعيش الأهالي حالة من الترقب خشية اقتحامها من قبل الجيش السوري في أي لحظة، بدأوا في تنظيم أنفسهم لإدارة الشؤون المحلية في المدينة بالتعاون مع الجيش الحر، بعيداً عن هيمنة الدولة.

وحسب الناشط عبدالله عبدالرحمن، فإن أهالي مدينته شكلوا مجلساً محلياً منتخباً لإدارة شؤونها دون أي تدخل من طرف الحكومة السورية.

وأوضح عبدالرحمن أن الأهالي انتخبوا شخصاً عن كل 1000، وشكلوا مجلساً مكوناً من 28 عضواً، شكلوا بدورهم لجاناً لإدارة شؤون المدينة التي أصبحت تحت إدارتهم بالكامل، والتنسيق مع الجيش الحر.

وأضاف الناشط أن المجلس كوّن خمس لجان، تتضمن لجنة سياسية للتفاوض مع النظام السوري، ولجنة إغاثة ومعونات، ولجنة مالية، وأخرى أطلقوا عليها "لجنة الدعم الثوري لتنظيم المظاهرات والحركات الاحتجاجية، إضافة إلى لجنة خدمات لتنظيم المسائل الخدمية والمرافق العامة التي أصبحت ضمن تخصص الأهالي بعد سحبها من البلدية.

وحول الشؤون الأمنية، أشار إلى أن المجلس شكل لجنة عسكرية للإشراف على عمل الجيش الحر الذي يتولى عناصره حماية المدينة ومساعدة الأهالي. لافتاً إلى أن المجلس سيعلن عن ناطق إعلامي يتحدث باسم المدينة خلال أيام.

وأكد أن أفراد الشرطة وعناصر الأمن يتواجدون في مقراتهم داخل المدينة، دون أن تكون لهم الصلاحية في تشكيل حواجز أمنية أو إخراج دوريات، حسب بنود الاتفاق مع السلطات.

ووفقاً للمعارض البارز كمال لبواني الذي أكدت مصادر أنه لعب دوراً استشارياً بارزاً في تشكيل المجلس، فإن الزبداني تعيش حالة أمنية مستقرة للغاية، بفضل الأهالي والجيش الحر الذي ينحدر معظم عناصره منها.

ولفت لبواني إلى أن النخب الثقافية والسياسية المحليين لعبوا دوراً كبيراً في تشكيل المجلس بطريقة "ديمقراطية"، واستطاعوا تنظيم شؤونهم المحلية دون أي تدخل من السلطات السورية. لافتاً إلى أن المجلس يتلقى دعمه المالي من رجال الأعمال في المدينة.

وأكد لبواني الذي ينحدر من الزبداني، أن المدارس عاد فيها الدوام إلى طبيعته، غير أنها استبدلت أعلام الدولة بعلم الاستقلال الذي يرفعه المحتجون، ويرددون شعاراً صباحياً لإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وتحية الجيش الحر.

جيش محلي

وحول إمكانية تحول عناصر الجيش الحر إلى ميليشات تقمع الأهالي، أبدى المعارض السوري عدم تخوفه، معتبراً أن "المسلحين يمكن أن تكون أفكارهم متطرفة حين ينعزلون عن الأهالي"، في حين أن جميعهم ينحدرون من عائلات محلية، وغير منفصلين عن السكان المحليين، على حد تعبيره.

ونوّه لبواني إلى أن عناصر الحر تتولى حماية المدنيين في المنطقة وتشرف على تقديم المساعدات الغذائية للأهالي، في حين أن قراراتهم تخضع للمجلس المحلي المدني.

وأشار إلى أن ضباطاً متقاعدين وعسكريين من أبناء المدينة هم الذين يتولون قيادة الجيش الحر وتوجيه أوامره.

وحول تعداد عناصر الحر في منطقته، قال المعارض السوري إن معظم شبان المدينة انضووا تحت صفوفه، وعبّروا عن الدفاع عن مدينتهم، إضافة للعسكريين الذين أعلنوا انشقاقهم عن الجيش.

وحول تجربة مدينته قال "إن التجارب الديمقراطية تكون صعبة في بداياتها"، مبدياً تفاؤله في الشباب السوري الذي اعتبر أنه واعٍ للغاية وقادر على حكم البلاد دون نظام الأسد وقبضة الأمن، حسب وصفه، داعياً إلى تعميم تجربة الزبداني على جميع أنحاء سوريا.

مفاوضات

وتعتبر مدينة الزبداني السياحية الواقعة على بعد نحو 45 كيلومتراً من وسط العاصمة دمشق، أول منطقة يتم الإعلان فيها عن انسحاب القوات العسكرية منها إثر عدة محاولات اقتحام استمرت أربعة أيام متتالية وتخللها قصف عنيف بالأسلحة الثقيلة، دون أن تتمكن القوات من اقتحامها جراء تصدي عناصر الجيش الحر لها، في حين تكبدت فيها القوات السورية خسائر، حسب مصادر عسكرية.

وجرى خلال المفاوضات تأكيد الأهالي على حقهم في التعبير السلمي، وانتخاب السلطة بحرية وحق المشاركة في الحياة السياسية، وحيازة السلاح الفردي الذي اعتبره "سنة نبوية".

كما أكدوا حق الدفاع المشروع عن أنفسهم "ضد أي معتد" بكل الوسائل، كما ورد في نصّ الاتفاق الذي أجراه العماد آصف شوكت نائب رئيس هيئة الأركان السورية وصهر الرئيس بشار الأسد، معتبرين أن المفاوضات جرت وفق مضمون المبادرة العربية التي دعت الجيش السوري إلى وقف العمليات العسكرية وسحب آلياته وجنوده من المدن.

أما عناصر الجيش الحر فقد تعهدوا من جانبهم بوقف العمليات الهجومية ضد القوات السورية والسماح ببقاء مخافر الشرطة ومراكز الأمن داخل المدينة.