عاجل

البث المباشر

عزمي بشارة ونقد المجتمع المدني عربياً

يبحث كتاب "المجتمع المدني.. دراسة نقدية" لمؤلفه المفكر المعروف الدكتور عزمي بشارة في مفهوم ووظائف المجتمع المدني المؤدية للديمقراطية، بعد أن غاب المفهوم وعاد إلى الظهور من جديد بمعنى مختلف، عاد متطابقاً مع ما ليس سياسياً، غير أن "السياسي" عاد بقوة إلى الحراك الاجتماعي، وعبر الثورات العربية التي تداعت أحداثها بسرعة من تونس إلى مصر إلى اليمن وليبيا وسوريا.

ويقول الباحث الأردني خالد وليد محمود في مراجعته للكتاب، إن بشارة يتساءل في هذه الطبعة الجديدة من كتابه ابتداءً: أين يقع المجتمع المدني في ظل موجة الثورات الشعبية التي لاتزال مفاعيلها قائمة في العديد من البلدان العربية؟ خاصة وأن الكتاب - منذ طبعته الأولى - لا يزال يحتفظ بأهميّته النظريّة والمرجعية، في الوقت الذي يؤمل أن يُعاد فيه الاعتبار إلى مفهوم المجتمع المدني وفاعليّته ودوره في تحقيق التحول الديمقراطي المنشود في الدول العربية بعد الثورات.

ويندرج الكتاب- 400 صفحة- في سياق سلسلة من المقولات التي كرس لها المؤلف حقبة زمنية للدفع في اتجاه تعزيز ثقافة ووعي التحول الديمقراطي، مرورا في المسألة العربية التي أنضجت مشروعا فكريا لمعالجة معوقات التحول الديمقراطي في الدول العربية والذي أعيد تقديمه بشكل مبسط في كتاب "أن تكون عربيا في أيامنا".

يعد كتاب المجتمع المدنيّ، إطارا نظريا يبحث في تطور مفهوم ومقولة المجتمع المدني عبر مراحل تاريخ الفكر السياسي الغربي وما يوازي ذلك من تطورات اجتماعية، ويهدف إلى اعادة تفكيك الحالة الاستهلاكية لمفهوم "المجتمع المدني" و"الدولة المدنية" في المنظور العربي والتي أضعفت الدور السياسي لمقولة المجتمع المدني فيما حل في الخطاب مصطلح الدول المدنية بدلا من الجهر في مطلب الدولة الديمقراطية.

والكتاب مكون من 400 صفحة قطع متوسط، ويقع في خمسة فصول، كان الفصل الأول حول" حدود المفهوم وتاريخه" والفصل الثاني استمرارا في تناول تاريخ المفهوم وتطوراته غربيا بعنوان: " من "الليفيتان" إلى يد السوق الخفية" بينما بحث الفصل الثالث علاقة المجتمع المدني بالدولة وحمل عنوان" انفصال المجتمع المدني عن الدولة لكي يعود إليها" بينما جاء الفصل الرابع بعنوان" الأمة والقومية والمجتمع المدني" وجاء الفصل الخامس والأخير خاتمة عربيا تقرأه عربيا واقعا وفكرة وحمل عنوان" واقع المجتمع المدني وفكرة حوار عربي".

يبحث الفصلان الأول والثاني في الشروط التاريخيّة لظهور فكرة المجتمع المدني الحداثي وانفصال المجتمع المدنيّ عن الدولة، وفي الفصلين الثالث والرابع التطورات التي جهدتها الدول الغربية ومكانة المجتمع المدني من الدولة انفصالا وعودة، إضافة إلى معالجة مفاهيم الأمّة والقوميّة والمواطنة والديمقراطيّة ، ثم يعالج في الفصل الأخير واقع المجتمع المدني في الوطن العربي في ظل الدولة التسلطية وانسحاب المثقف والسياسي من العمل السياسي في ظل الدولة الاستبدادية المتحكمة بمنسوب الإصلاح الذي تهبه للمجتمع والذي توضح أنه وصل إلى نقطة انسداد أدت إلى تفجر الثورات في بعض البلدان العربية.

المجتمع المدني.. المفهوم والقدرة التفسيرية

يحتوى هذا الكتاب على مادة نظريّة مهمة حول مرجعية المجتمع المدني غربيا، حيث قرأه المؤلف في إطار تاريخ الفكر السياسيّ الغربيّ في سياق التطورات الاجتماعيّة التي واكبته وأثَّرت فيه، ولكنه يحتوى مع ذلك تفكيكا نقديّا لهذا المفهوم، بعدما صار رائجًا وشائعًا في الكتابات اليوميّة، الأمر الذي أدى إلى انتزاع قدرته التفسيريّة وتأثيره النقديّ منه، وجعله متطابقًا مع المجتمع الأهليّ رغم اختلافهما.

ويبيِّن الكاتب وظائف المجتمع المدنيّ التي تؤدي، بالضَّرورة، إلى الديمقراطيّة، فالمجتمع المدني لا يمكن إلا أن يكون ديمقراطيا في وسائله وغاياته، كما أن له تاريخًا مرتبطًا دائما بالسّياسة والاقتصاد، وليس العمل الخيري فقط، وبتطور نشوء فكرة المجتمع والدّولة، في مقابل "الجماعات الوشائجيّة" من جهة، وآليات القسر التي تستخدمها الدولة لتثبيت سيطرتها، ويصل الكاتب إلى استنتاج أن هذا المجتمع هو صيرورة فكريّة وتاريخيّة نحو المواطنة والديمقراطيّة.

تحدي صراع الهويات

يسرد عزمي بشارة التفاعلات الجدلية لتطور فكرة المجتمع المدنيّ في العالم العربيّ، فرأى أن ظهورها في تسعينيات القرن العشرين، وانتشارها بقوة آنذاك، كان نوعًا من التعويض عن نكوص سياسي أصاب المثقف العربي، وأدى إلى استقالته من السياسة جراء انحسار الأفكار اليساريّة والقوميّة، لهذا جاء معظم مَن تبنى هذا المفهوم من اليسار والحركات القوميّة. ورأى أن ذلك ترافق مع انهيار الاتحاد السوفياتي ومع الأزمة التي عصفت بالعالم العربي غداة احتلال الكويت في سنة1990، ثم توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993.

وفي زخم تلك الأحداث التي جعلت كثيرا من المثقفين ينسحبون من السياسة، حاول بعض اليساريين السابقين اختزال المجتمع المدني في ما يسمى "المنظمات غير الحكومية". لكن، ها هو المثقف اليوم يعود إلى ممارسة السياسة مع اندلاع الثورات العربيّة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، وينخرط في الحراك الثوري بأفكاره ومواقفه وبجسده أيضًا. وخلص الدكتور عزمي بشارة إلى الاستنتاج أن المجتمع المدني من دون سياسة، وخارج سياق النضال في سبيل الديمقراطيّة، هو إجهاض للمعنى التاريخي للمجتمع المدني.

كما لاحظ عزمي بشارة في هذا الكتاب، الفارق بين الأمة والقومية، محددا الفوارق المنهجية والمعرفية بينهما، وفي هذا الحقل من المعرفة شدَّد على الأمة المواطنية بوصفها أمة نحو الخارج، ومجتمعًا مدنيًّا نحو الداخل. أما المواطنة فهي عابرة للهويّات الثقافية والإثنيّة والطائفيّة والقبليّة، بينما القوميّة تتأسس على اللغة، وعلى هذين الأساسين يمكن بناء المجتمع المدني وتشييد عماده في العالم العربي.

وفي المجال العياني والمرئي حذر عزمي بشارة من تحول الصراع ضد النظم السياسيّة في المشرق العربي إلى صراع على الهويّات، وهذا الأمر من شأنه أن يفتِّت "المشترك القومي"، ويمنع تشكل أمة مواطنيّة كحالات العراق وسورية ولبنان. ولاحظ، على سبيل المثال، أن المجتمع المدني في اليمن يشق طريقه بأمل، لكن بصعوبة بالغة، عبر التمايز عن الدولة والقبيلة والعسكر معًا. أما في ليبيا فيبدو أن المواطنة تخوض صراعًا على جبهتين: ضد التدخل الخارجي الذي يمتهن السياسة الوطنيّة، وضد إحياء القبيلة والجهويّة. وانتقد بشارة كيل المديح، بلا حساب، للشبان العرب؛ هذا المديح الذي يشبه مدائح المثقفين العرب للمجتمع المدني حين اكتشفوه أول مرة. ورأى أن هذا المديح يضلل الشبان العرب، ويضفي عليهم صفة "الفئة السياسيّة" أو "التيار السياسي المتجانس"، وهذا مخالف للواقع تمامًا.

المجتمع المدني والثورات العربية

يبين عزمي بشارة في هذه الطبعة أن النقاشات التي كانت دائرة حتى قبل قيام الثورات العربية حول تعثر التحولات الديمقراطية في الوطن العربي تم حقنها بشكل قسري بمفهوم المجتمع المدني، لأن إعادة اكتشاف هذا المفهوم عربيا، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، لم يكن متصلا بإعادة انتاج المجتمع لذاته ماديا وروحيا مقابل الدولة، وهي التي تتم عبر المؤسسات الأهلية من جهة والانتفاضات الشعبية من جهة ثانية، وبالتالي فإن ظهور مؤسسات المجتمع المدنية في البلدان العربي وارتباطها بمشاريع ممولة من مؤسسات أو حكومات غربية في الأغلب، جعلها غير قادرة على اعادة انتاج ذاتها اجتماعية ومنفصلة عن عمليات الإنتاج الاقتصادية، وفي المقابل أيضا وإن وجدت هذه المؤسسات تحت ضغط المطالب الديمقراطية النخبوية ونشطت في مجالات احترافية سياسية متعددة لأنها لم تكن نتيجة مخاض تحول ديمقراطي بقدر ما كانت دليل على مخاض التحول في الدولة السلطوية التي احتفظت بالقدرة على قمع أو احتواء الاحتجاجات الشعبية وتقديم حزمة من الإصلاحات المنضبطة دون القيام بإصلاحات جوهرية لتحقيق التحول الديمقراطي، ونقطة ثالثة ساهمت في طفرة المنظمات المدنية في العالم العربي هو إفلاس العمل الحزبي وافتقاره إلى القدرة على التأثير في الشارع في مقابل السلطة الحاكمة، فجاءت المنظمات المدنية لتحل محل الأحزاب في كثير من الأنشطة غير السياسية بالمعنى التقليدي بطبيعة الحال.

وينتقد بشارة منظمات المجتمع المدني والمقولات التي تثار حول صيغة المجتمع المدني في الوطن العربي معتبرا أنها جاءت نتيجة عملية استيراد جاهزة لنماذج من عمل المنظمات الغربية، ولم تتشكل داخليا لتكون العلاقة الوسيطة بين الفرد والدولة، كما أنها جاءت كمحاولة أخرى في اللاتسييس وتوجت البنى التقليدية على عرش المجتمع المدني، وبالتالي تحولت النقاشات الديمقراطية التي كان من المفترض أن تقودها إلى مجرد نقاشات ثقافية تحت سقف الدولة، وبدلا من أن يكون النقاش العلني حول التحول الديمقراطية بات مجرد نقاشات حول تعريف المجتمع المدنية. ولفت بشارة إلى أن الدمقرطة كانت غير ممكنة دون إجراء مصالحة بين الدولة والأغلبية في المجتمع، وهو الأمر الذي لم يتم، منوها إلى أن الديمقراطية التي نقصدها ليست الأغلبية الطائفية أو الجهورية أو الإثنية، وإنما المقصود بها أغلبية المواطنين الأفراد المعبر عنها بحق الاقتراع العام والرأي العام.