عاجل

البث المباشر

45 دقيقة من الموت في جورة الشياح بحمص

حكايات سوريين تروي تفاصيل حياة يومية يعيشونها ويموتون خلالها

ما سنسرده الآن ليس محض خيال، أو توصيفاً لمشاعر أو عواطف، وإنما هو تفاصيل حياة يومية يعيشها السوريون بشكل عام والحمصيون بشكل خاص..

حكايات بلسان أبطالها، وبلغتهم هم، وإن كانت كلها تحرك المشاعر فإن الـ45 دقيقة التي عاشها ذلك الشاب بين الموت والموت تبدو وكأنها ساعات، وعندما سار في جورة الشياح بحمص كان يعرف أن السير لن يكون في الشارع بل عبر البيوت "من خلال فتحات في الجدران، أصوات قذائف الدبابات قريبة للغاية وأسقف البناء الذي تسير فيه تسقط وتخر جدرانها".

في جورة الشياح تسمع بوضوح أصوات تحليق الطيران وقذائف الهاون من عيارات ثقيلة وصواريخ تنسف الطوابق العلوية، في أبراج جورة الشياح الضخمة "تتسارع دقات القلب حتى تكاد تشعر أنه سيقف وإن لم يقف خوفاً ورهبةً سيقف بعد أن تسقط عليك قذيفة أو صاروخ أو جدار أو سقف، وتظهر كل مشاهد الحياة أمام عينيك للحظة ثم تقطعها قذيفة عابرة أو جدار ينهار، تتوقف للحظات في مكان آمن لالتقاط أنفاسك ثم تعاود المغامرة من جديد".

السير في أي حي من أحياء حمص هو مغامرة بحد ذاتها، وبحسب الشاب: "أحياناً تدخل إلى منزل تجد فيه شباباً مرابطين، منهم من يحرس مدخلاً، ومنهم من يغط في نوم عميق، في طريقك عبر المنازل غرف نوم وجلوس وصالونات ومطابخ تمر عليها، أشياء مدمرة بالكامل ودمرت معها ذكريات جيل كامل من البشر، في أحد المنازل أشاهد ذلك الدكان الذي طالما اشتريت منه أشيائي ثم أمضي في الطريق مدركاً أن احتمال العودة إلى حيث كنت قليلة للغاية، وأخيراً وصلت إلى المكان الذي كنا نقصده، أنهي ما جئت من أجله سريعاً وبعد أقل من ربع ساعة على وصولي أحسستها أياماً نعود من حيث جئنا على الرغم من قلة تركيزي أمام هول ما أسمع وأرى.

لاحظت تغيراً في بعض ممرات الطريق الذي يرشدنا إليه الشباب المرابطون أسأل مرشدي عن السبب، فيخبرني أن الطريق الذي سلكناه أغلقه ركام سقف أو جدار، وأمامنا تمضي مجموعة من الشباب يحملون أحد الشباب المصابين.

ويتابع "عندما أصل إلى المنزل الذي يطل على دكان مشترياتي أحاول أن أملأ عيني منه مرة أخرى ربما تكون الأخيرة، لا أجد إلا ركاماً وبقايا.. أنفض رأسي وأشك في أنني شاهدته في طريق الذهاب، أصل إلى النقطة التي بدأت منها لأعود إلى حي الخالدية بعد خمسة وأربعين دقيقة من الموت".

اشتعل بيته أثناء إسعافه جريحاً

أبوحامد رجل في عقده الرابع يسعف الجرحى، ويجلب الطعام للمرضى ويلبي حوائج المحتاجين، أسعف جاره إلى أقرب مستشفى ميداني، وما إن عاد إلى بيته حتى وجد منزله يشتعل بعد أن تهدم جزء كبير منه، ولم يبقَ صغير في بيته أو كبير حتى أكله الحريق.

انضم أبوحاتم إلى منزل جاره الشاب الذي أسعفه ونشأت بينهما علاقة طيبة تعدت علاقة الجار بجاره، وبعد أكثر من شهرين بقليل أراد أبوحامد الخروج للسعي وراء خدمة بعض الجرحى لكن صديقه الشاب أصر على الخروج بدلاً منه، وبعد ساعة استبطأه أبوحامد فخرج باحثاً عنه ليجده غارقاً في دمائه مرمياً في وسط الطريق بعد أن أصابه قناص، ثم عاد ليجد البيت الذي كانا يسكناه مهدماً مدمراً.

أبوحامد لم يجد في الأيام التي تلت وفاة صديقه إلا الصبر والصمود على الرغم من الحزن الشديد الذي ظهر جلياً على وجهه وتعامله وتعابيره، ولا يزال أبوحامد يخدم الناس ويعيش في مسجد الحي.