عاجل

البث المباشر
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • السعودية
  • أسواق
  • رياضة
  • العربية TV
  • البرامج
  • منوعات
  • مقالات
  • الأخيرة
  • فيروس كورونا
  • اتفاق غزة بين مفهومي الهدنة ووقف النار

    بعد جهود مصرية حثيثة، ساندتها جهود دولية أخرى، نجحت مصر فى التوصل إلى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في قطاع غزة، وذلك يوم الأربعاء 21-11-2012، على أن ينفذ الاتفاق في تمام الساعة التاسعة مساء نفس اليوم بتوقيت العاصمة المصرية القاهرة، الاتفاق نص على الآتى:

    وقف إسرائيل كافة الأعمال العدائية على قطاع غزة برا وبحرا وجوا بما في ذلك الاجتياحات واستهداف الأشخاص.

    - تقوم الفصائل الفلسطينية بوقف كل العمليات العدائية من غزة تجاه إسرائيل، بما في ذلك إطلاق الصواريخ والهجمات على خط الحدود.

    - فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وعدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم فى المناطق الحدودية والتعامل مع إجراءات تنفيذ ذلك بعد 24 ساعة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
    - يتم تناول القضايا الأخرى إذا ما طلب ذلك.
    وحددت مصر التي ترعى الاتفاق آليات لتنفيذ التهدئة بالاتفاق مع الأطراف، وهي:

    - تحديد ساعة الصفر لدخول تفاهمات التهدئة حيز التنفيذ.
    - حصول مصر على ضمانات من كل طرف بالالتزام بما تم الاتفاق عليه.
    - عدم قيام أي طرف بخرق هذا الاتفاق وفي حال وجود ملاحظات يتم الرجوع لمصر راعية التفاهمات.

    ولقد أطلقت وسائل الإعلام العديد من المصطلحات التى تصف ذلك الاتفاق حتى بعد إبرامه بين طرفيه، فمنها من وصفه باتفاق التهدئة، ومنها من وصفه باتفاق الهدنة، ومنها من وصفه باتفاق وقف إطلاق النار، والمسمى الأخير هو الذي اعتمده أطراف الاتفاق.

    اتفاق وقف إطلاق النار

    تدعو الضرورة أثناء القتال بشكل عام إلى وقفه توقيفا مؤقتا، وذلك لأغراض مختلفة من بينها إغاثة الجرحى الموجودين فى الميدان، ونقل جثثهم ودفنهم؛ لذا فوقف القتال إجراء عسكرى مؤقت وليس له صفة سياسية، ولا ينص فى ذلك الاتفاق على شروط ذات طابع سياسى، وهو ما انعكس بشكل كبير فى الاتفاق الأخير الموقع بالقاهرة.

    ورغم أن الغالب أن يتم الاتفاق بين المتحاربين وبإرادتهم السياسة الحرة، إلا أنه وفى الآونة الأخيرة وفى الحالات التى من شأن استمرارها تهديد للسلم والأمن الدوليين، نجد أن مجلس الأمن يقوم بإصدار قراراته فى شأن حفظ السلم والأمن الدوليين وإعادتهما لنصابهما، وتتضمن مثل هذه القرارات الأمر بوقف إطلاق النار من جانب المتحاربين.

    ومن أشهر الحالات التى اضطلع فيها مجلس الأمن بهذه المهمة إصدار المجلس العديد من قراراته فى هذا الشأن فى حرب أكتوبر عام 1973، والحرب اللبنانية الإسرائيلية عام 2006.

    كما يمكن أن تساهم جهود دولة أو مجموعة دول أو منظمة دولية فى التوصل لإبرام اتفاق وقف إطلاق النار، وقد لعبت مصر الدور الرئيسى فى الاتفاق المشار إليه، فضلا عن جهود منظمة جامعة الدول العربية، ومنظمة الأمم المتحدة، ودول أخرى.

    اتفاق الهدنة

    الهدنة فى معناها القانونى اتفاق يتم بمقتضاه وقف عمليات القتال بين الأطراف المتحاربة، وهو اتفاق سياسى عسكرى يؤدى غالبا إلى وقف القتال لفترة طويلة نسبيا، مقارنة باتفاق وقف إطلاق النار، وان كانت الهدنة لا تعنى إنهاء حالة الحرب.

    إن اتفاق الهدنة عمل ذو طابع سياسى بجانب صفته العسكرية، يلجأ إليه المتحاربون توطئة لعقد الصلح؛ لذلك فالذى يملك عقد الهدنة حكومات الدول المحاربة ذاتها، ويتولى الأمر فى شأن الهدنة وفى تحديد شروطها ممثلون عن أطراف الاتفاق يعينون خصيصا لذلك، ولا تصبح الهدنة ملزمة إلا إذا أقرتها حكومات الدول الأطراف فيها.

    وكما تشمل الهدنة وقف جميع العمليات الحربية بين طرفى النزاع المسلح فى جميع الميادين، وهو ما يعرف بالهدنة العامة، حيث استخدم مجلس الأمن مصطلح الهدنة العامة فى قراره بتاريخ 16 نوفمبر عام 1948 بشأن الحرب الإسرائيلية العربية، وقد تقتصر الهدنة -أيضا- على مناطق معينة وهى ما تعرف بالهدنة المحلية، وعادة ما يحدد للهدنة أجل تنتهى بانقضائه، ويكون لكلا الفريقين المتحاربين العودة للقتال إن لم يتفقا على الصلح.

    ويتحدد مضمون الهدنة من قبل أطرافها، وهو قد يشمل، إضافة للأعمال المحظورة، إنشاء مناطق منزوعة السلاح كما تم فى اتفاق الهدنة الشهير عام 1953 بعد انتهاء الحرب الكورية، والذى أنشا المنطقة منزوعة السلاح شمال وجنوب خط العرض 38، وإنشاء مناطق دفاعية، وتبادل أسرى الحرب، وهو ما تم فى آخر اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين العام الماضى، والذى أسفر عن الصفقة الشهيرة لتبادل الجندى الإسرائيلى جلعاد شاليط بالأسرى الفلسطينيين.

    إن أى إخلال جسيم بشروط الهدنة الواردة فى اتفاقها من جانب أحد الطرفين يعطى الطرف الآخر الحق فى نقضها ويعتبرها منتهية، وله فى حالة الضرورة القصوى أن يستأنف القتال مباشرة، وفضلا عن ذلك فان هذا الانتهاك ومخالفة شروط الهدنة، يرتب المسؤولية الدولية على الدولة المخالفة بوصفها ارتكبت مخالفة لالتزاماتها الدولية، أما إذا كان الإخلال من الأفراد من تلقاء أنفسهم وبإرادتهم المحضة أى دون تلقى أوامر قيادية عليا من رؤسائهم، فللطرف الآخر أن يطلب فقط معاقبة المسئولين، ودفع تعويض عن الإضرار التى نتجت عن هذا الإخلال.

    إن العدوان الذى شاركت فيه إسرائيل ضد مصر عام 1956 فى حرب السويس، أو ما يعرف فى الأدبيات المصرية بالعدوان الثلاثى، يعد المثال الصارخ للإخلال الجسيم لاتفاقات الهدنة، حيث كانت إسرائيل قد أبرمت اتفاقا للهدنة مع مصر فى فبراير عام 1949، حيث تعهد الدولتان بعدم القيام بعدوان ضد الآخر.

    والهدنة مهما طال أمدها لا تعنى إلا مجرد وقف القتال بين أطرافها ولا تنهى قانونا حالة الحرب القائمة بينهم، فحالة الحرب لا تنتهى قانونا إلا بتوقيع معاهدة سلام مثل التى أنهت الحرب بين إسرائيل ومصر والتى أبرمتها الدولتين فى مارس 1979، ومعاهدة وادى عربة عام 1994 التى أنهت الحرب بين إسرائيل والأردن.

    لقد كانت الخبرة الإسرائيلية مريرة مع اتفاق الهدنة مع مصر والذى أبرم فى 24 فبراير عام 1949، حيث استمرت مصر فى ممارسة حقوق المحارب بالنسبة للسفن والبضائع الإسرائيلية التى تمر فى المياه الإقليمية المصرية، مما دفع إسرائيل لشكوى مصر لمجلس الأمن بزعم أن اتفاق الهدنة الموقع مع مصر قد أنهى حالة الحرب بينهما وهى فرية لا تنطلى على أى مدقق، حيث إن الحروب لا تنتهى إلا باتفاقيات سلم لا هدنة.

    كان الفلسطينيون يحاولون جاهدين أن يتضمن اتفاق وقف إطلاق النار مع الإسرائيليين النص على فك الحصار عن قطاع غزة، وهنا تكون المقاومة الفلسطينية انتصرت انتصارا استراتيجيا على الصلف الإسرائيلى، إلا أن التعنت الإسرائيلى فى رفض رفع الحصار عن قطاع غزة أجهض الجهود العسكرية والدبلوماسية للجانب الفلسطينى، فأصبح الاتفاق الموقع بين الجانبين اتفاقا لوقف إطلاق النار وحسب، وليس اتفاقا للهدنة.

    إذا كانت اتفاقيات الهدنة تعد محطة انتقالية تعبرها الدول للوصول للمحطة النهائية التى تتطلع وتطمح لها شعوب هذه الدول وهى إبرام معاهدات السلام، فمن المؤكد أن تناول كافة القضايا المصيرية المهمة وهى فى الغالب مبعث النزاع، يفضى أجلا أو عاجلا إلى تحقيق السلام الشامل العادل، عن طريق إبرام معاهدات السلام، لذا كان الإصرار الإسرائيلى على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، وليس اتفاق هدنة مع حركة حماس الفلسطينية.

    إن الاتفاق الماضى الذى وقعته إسرائيل مع حركة حماس العام الماضى 2011، لم يطل حتى يمنح المزيد من الحماية لحقوق الشعب الفلسطينى، وبصفة خاصة فى غزة، وأن يؤدى إلى تسوية شاملة لجوهر الصراع فى الشرق الأوسط، فكل الآمال التى انعقدت على الاتفاق المهم قد تبخرت حيث لم يساهم الاتفاق مساهمة فاعلة فى مواصلة المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وذلك للتوصل لحل نهائى دائم لكل المشكلات العالقة والتى لم تعالجها اتفاقيات أوسلو للسلام بين الطرفين الإسرائيلى والفلسطيني.

    الحصار الإسرائيلي الجائر على قطاع غزة

    يحظر القانون الدولى فى كافة الأحوال تجويع المدنيين أثناء النزاع المسلح سواء كان دوليا أو أهليا، وحتى إن أدى ذلك لخضوع العدو المحارب، حيث نص تقرير لجنة المسئوليات عام 1919 فى أعقاب الحرب العالمية الأولى على أن "تعمد تجويع المدنيين" يشكل انتهاكا لقوانين وأعراف الحرب، وترسخ من ذلك الحين قاعدة من قواعد القانون الدولى العرفى وهى حظر تجويع السكان المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب وعدته المحكمة الجنائية الدولية جريمة حرب، ويرد حظر التجويع فى العديد من كتيبات الدليل العسكرى للقوات المسلحة للدول.

    إن حظر التجويع كأسلوب من أساليب الحرب لا يحظر الحصار العسكرى مادام الغرض منه تحقيق هدف عسكرى وليس تجويع السكان المدنيين، وأن ما يثير الدهشة فى هذا الشأن أن دليل إسرائيل بشأن قوانين الحرب يتضمن صراحة وجوب السماح لسكان المدينة بمغادرة خلال الحصار، وإلا، فعلى الطرف المحاصر السماح بحرية مرور المواد الغذائية والمؤن الأساسية الأخرى، حتى أن دليل "سان ريمو" بشأن الحرب البحرية، والذى تحاجج به إسرائيل زورا وبهتانا فى مشروعية حصارها الجائر لقطاع غزة يؤكد أيضا على حظر التجويع للسكان المدنيين.

    لقد حظرت المادة (54) من البروتوكول الأول للاتفاقيات جنيف القيام بأعمال "يتوقع أن تدع السكان المدنيين بما لا يغنى من مأكل ومشرب على نحو يسبب مجاعتهم أو يضطرهم إلى النزوح".

    لقد أدانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى الحصار الإسرائيلى الجائر ضد قطاع غزة سواء مجلس الأمن فى بيانه الرئاسى رقم S/PRST/2010/9 تاريخ 1/6/2010، ولجنة حقوق الإنسان لمنظمة الأمم المتحدة فى قرارها 1994/74 والقرار 1995/76 لمنظمة المؤتمر الإسلامى وقرارات دولية عديدة أخرى.

    إن القانون الإنسانى الدولى يحظر العقوبات الجماعية والتى تعنى معاقبة أى شخص على جريمة لم يرتكبها شخصيا. وهذه العقوبات تشمل العقوبات من "أى شكل، سواء كانت أيضا إدارية أو عن طريق الشرطة أو عن أى طريق آخر" والتى تفرض على جماعات من الأشخاص المستفيدين جراء أفعال لم يقوموا بها بأنفسهم؛ لذا فقد كيّف القانون الإنسانى الدولى العقوبات الجريمة أنها جريمة حرب.

    وإذا كانت إسرائيل تزعم بأن الإمدادات الغذائية والإدارية وغيرها لقطاع غزة يمكن أن تصل إلى مقاتلين غير شرعيين فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر دوما ما تتخذ موقفا يؤكد بأن الخوف من تحويل المدد إلى عسكريين لا يشكل مبررا قانونيا لرفض مروره.
    بقراءة سريعة عابرة لنصوص اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، نستطيع القول بأن الظرف الدولى كان مقيدا لطموحات الجانب الفلسطينى فى تحقيق ما كان يصبو إليه، وهو فك الحصار كاملا عن قطاع غزة حيث أغفل الاتفاق الإشارة إلى هذا المطلب الشرعى للشعب الفلسطينى.

    ولكون الوثيقة الدولية التى رعتها مصر بين الطرفين هى اتفاق لوقف إطلاق النار وحسب، وليس اتفاق هدنة، فكان من الطبيعى أن تكون التضمينات الإضافية لوقف إطلاق النار قليلة، وأيضا لا يمكن أن يستنتج من الناحية القانونية والواقعية وفقا للسياق الحاصل فى غزة، والدعم غير المحدود من الإدارة الأمريكية الظالمة لإسرائيل، أن يشكل ذلك الاتفاق مرحلة انتقالية للوصول لتسوية سلمية دائمة للقضية الفلسطينية.

    لقد طغت أجواء العنف المسلح على المفاوضات التمهيدية التى سبقت التوصل للاتفاق، حيث كان الشغل الشاغل لمصر، ومنظمات دولية، وكافة الدول التى ساهمت فى التوصل لذلك الاتفاق، هو وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين وعدم استهدافهم، ومن ثم لم يلب الاتفاق مطالب حماس الرئيسية، والتى تمثلت فى رفع الحصار عن غزة.

    وختاما، يجب عدم التهويل أو التهوين من اتفاق القاهرة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، فإذا كان الاتفاق قد نص على التفاهم المشترك حول فتح المعابر وتسهيل التحرك من وإلى قطاع غزة، وذلك ينطبق على الأشخاص، والبضائع التجارية، بيد أن الاتفاق لن يكون بأى حال من الأحوال مهدئا لحالة الحنق والغضب التى تنتاب الشعب الفلسطينى جراء نكوص المجتمع الدولى عن الوفاء بالتزاماته القانونية تجاه القضية الفلسطينية العادلة، والحق الطبيعى الأصيل للشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإقامة دولته الحرة المستقرة.

    * الدراسة أعدها الدكتور أيمن سلامة
    أستاذ القانون الدولي العام الذي ناقش