.
.
.
.

الزراعة ما بين الفوضى والتخطيط

رشود الخريف

نشر في: آخر تحديث:
على الرغم من شح المياه وندرتها في بيئة صحراوية، مثل المملكة، ومع أهمية المياه لاستدامة التنمية، فإن الإنسان يعجب كثيراً من غياب التخطيط سواء فيما يتعلق باستنزاف المياه وعدم تقنين استخدامها من جهة، أو عدم إعداد جدول زراعي يحدد الحاجة من المحاصيل كالتمور ونحوها من جهة أخرى.

إن هذا الوضع المؤلم يعكس غياب التنسيق الجاد بين وزارتي المياه والزراعة وعدم الاعتراف بأهمية البحث العلمي الذي لا يجد له مكاناً مهماً في هاتين الوزارتين.

لا يحتاج الأمر إلى خبير ليكتشف أن هناك مبالغة كبيرة في زراعة بعض المحاصيل كالنخيل على سبيل المثال. فخلال السنوات العشر الأخيرة اتجه كثير من المزارعين إلى زراعة آلاف النخيل. لا جدال بأن النخلة من أشجار الصحراء التي لا تستهلك الكثير من المياه وتُعد في حد ذاتها من مقومات الأمن الغذائي، غير أن الزيادة المفرطة في أعدادها يؤدي إلى كساد سوقها وانخفاض أسعارها، ومن ثم إلحاق خسائر فادحة بالمزارعين في المستقبل القريب!

كما أن هناك توسعاً غير مبرر في إنتاج وتصدير بعض المحاصيل والألبان، فمن المفترض أن يكون الإنتاج بقدر الاستهلاك الداخلي، خاصة مع ندرة المياه واعتماد الزراعة على عمالة وافدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل وضع مواردنا المائية المهددة بالنضوب يؤهلنا لتصدير الألبان والخضراوات والتمور؟ ألسنا في حاجة أكثر لتصدير الأفكار والمعرفة والمنتوجات البتروكيماوية والأسمنت التي لا تستنزف مواردنا الشحيحة؟!

لذلك ينبغي إجراء حصر دقيق لأعداد النخيل في كل منطقة حسب أصنافها، وتحديد الأصناف الأكثر مناسبة من حيث جودة الإنتاج والأكثر قبولاً في السوق، ومن ثم تقدير حاجة المملكة من محصول التمور خلال السنوات العشر المقبلة، وبناء عليه توعية المزارعين في كل منطقة بالأصناف الأكثر مناسبة والأقل تكلفة من حيث المياه والرعاية.

من جهة أخرى، لا بد أن تسعى وزارة المياه إلى تقنين استخدام المياه لأغراض الزراعة، فالماء ثروة وطنية وليست ملكية خاصة! لا ينبغي أن يمتلك المزارع الحق في ضخ المياه دون قيود وري ''الفياض والخباري'' للاستمتاع بمنظر الربيع المبكر أو جني الكمأ عندما يشح الربيع بأمطاره! ولا ينبغي أن يبالغ المزارع في زراعة محصول معين بأسلوب ري تقليدي يستنزف المياه ويعرض الموارد الوطنية لخطر النضوب! والحاجة ملحة - أيضاً - لاستصلاح محاصيل ذات متطلبات مائية منخفضة من خلال الهندسة الوراثية وغيرها من تقنيات.

باختصار يبدو أننا - أبناء هذا الجيل - نستهلك وكأننا الجيل الذي يمتلك ما فوق الأرض وما تحتها دون أي اعتبار للأجيال الأخرى! وهذا سبب من أسباب ارتفاع استهلاك الفرد للمياه في مجتمعنا إلى ضعف المعدل العالمي تقريباً. والخلاصة أن تقنين استخدام المياه في الزراعة ووضع ضوابط لاستخدامها، ومنع التصدير، سيحد من المبالغة في زراعة بعض المحاصيل وسيحافظ على مواردنا المائية الوطنية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.