.
.
.
.

يا عزيزي ما سعر التكلفة؟

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:
جهود مشكورة ورائعة ومثمرة فعلا تلك التي تقوم بها وزارة التجارة للحد من آثار مشكلة ارتفاع الأسعار، لكن المشكلة أصبحت كما موج البحر ما إن تذهب موجة حتى تعود بأقوى منها وكأن كل موجة تغذي أختها، والسؤال ليس إلى متى ستصمد الصخور التي في وجه الموج قبل أن تُفتت؟ بل متى ستهدأ الريح التي تحرك الموج؟ وكيف؟

كصخرة في وجه الموج والمد حاولت وزارة التجارة توقيع اتفاقيات مع التجار للحد من رفع الأسعار، لكن الأثر يبدو محدودا والأسعار تعاود الارتفاع كلما سنحت فرصة. مع ارتفاع أسعار الدجاج اليوم نسمع عن تبرعات التجار بالبيع بسعر التكلفة وذلك دعما منهم لجهود الوزارة. ومع الشكر للتجار على هذا التبرع السخي يبقى السؤال الذي سيطرح لاحقا هو: عن أي تكلفة نتحدث؟

سأوضح الأمر بطريقة بسيطة، هل ذهبت للشراء من السوق وسمعت البائع يحلف بالله أنه يبيعك بسعر ''مشتراها''؟ قد تظن لوهلة أنه يقصد السعر الذي اشتراها به (أي تكلفة الشراء)، وهذا سيضعك في حرج واسع وأنت تفاوضه، فلن ترضى له الخسارة، كما أنك تظل تسأل نفسك عن الفائدة التي يجنيها من بقائه في السوق إذا كان يبيع بالسعر الذي اشترى به السلعة، لكن إذا رأيت أنياب الليث بارزة فلا تظن أن الليث يبتسم. فلقد صدق وهو كذوب، فهو يقصد أن السعر الذي سيبيعك به هو السعر الذي يشريها الناس به ومن قبلك، فهذا السعر الذي دفعه من شراها فليس المقصود تكلفة شرائها كما كنت تظن، فالقضية هي فيما نقصده وليس فيما نقوله. فالبيع بسعر التكلفة الذي تبرع به التجار ليس سعر شرائها فقط كما قد يظن البعض، فالتكلفة تتضمن أنواعا لا حصر لها من التكاليف الأخرى.

عندما ندرس التكاليف ونحللها نجد هناك تكاليف نسميها المباشرة وهي كل ما يدفع على السلع بذاتها فقط حتى تصبح جاهزة للبيع، ومن ذلك سعر شرائها أو سعر المواد الخام التي تصنع منها وكذلك أجور العمال المباشرين للعمل فيها. لكن التكاليف لا تقف هنا، بل تتعدى ذلك إلى تكاليف غير المباشرة – أحيانا يصعب حصرها للتحليل - وهي تشمل جميع ما أنفقه المشروع حتى تصبح تلك السلعة في الرف جاهزة للبيع وحتى أجور عمال النظافة في مكتب المدير العام، بل حتى قيمة القهوة التي تصب في مكتبه، وهو يناقش حجم التكاليف.

وبودي لو أن المسألة يا عزيزي القارئ تقف هنا، لكنها تزداد تعقيدا كلما تدخل أهل الاقتصاد في أعمال المحاسبة وطالبوا بإضافة تكاليف أخرى غير محسوسة، ومنها ما تسمى تكلفة الفرصة البديلة، وهي كل الأرباح العادية التي كانت الشركة ستحصل عليها فيما لو تم إنفاق هذه الأموال التي صرفت على هذه السلعة في مشروع آخر (فرصة أخرى)، وهذه عادة تقاس بطرق مختلفة لعل أبسطها هو سعر الفائدة السائدة. لذلك إذا قلنا سعر التكلفة فإننا نضيف عناصر لا حصر لها في هذا السعر وليس مجرد سعر شرائها من المورد، كما قد يعتقد البعض. القضية الثانية في هذه المشكلة أن أي ارتفاع في التكاليف سيتسبب حتما في ارتفاع سعر التكلفة، لذلك فإن تبرع التجار بالبيع عند سعر التكلفة حل بسيط، بل سطحي لمشكلة شديدة التعقيد.

أنا لا أقول أو أقلل من أهمية ما تقوم به الوزارة حاليا، بل هو ضروري جدا، إنه يشبه المسكنات الضرورية قبل عمل الجراحين، لكنها حتما ليست بديلا عنه. ذلك أن مشكلة الأسعار مشكلة في هيكل الاقتصاد وآليات عمله، أخطاء قديمة تراكمت على مر السنوات، خلل ترك هناك لينمو حتى أصبح جزءا من الصورة الشاملة للاقتصاد السعودي يصعب فهم الاقتصاد من دونه، خلل أصبح مجرد التفكير في إصلاحه وإزالة العيوب التي خلفها يعد تفكيرا خارج الصندوق ولا يلقى قبولا من أحد.

المشكلة أن الاقتصاد السعودي ترك لسنوات عديدة حتى تركزت الثروة في أيدي شركات محدودة ترفض بعناد أن تصبح شركات مساهمة بحيث تكون قوائمها المالية شفافة أمام الناس وأن تقدم مبررات واسعة لكل قرار اقتصادي تتخذه، أن تتحول إدارة هذه الشركات إلى مجلس إدارة يتمتع بكثير من الاستقلال ولجان متخصصة وجمعيات عمومية. الاقتصاد ترك لسنوات عديدة حتى استطاعت شركات محدودة السيطرة الكاملة على مفاتيح العمل فيه، وخلق عوائق للدخول سواء برفع مستويات رؤوس الأموال القادرة على العمل أو من خلال السيطرة الكاملة على سلسلة القيمة كافة من الإنتاج حتى التوزيع، بحيث يفشل أي مشروع في الدخول ما لم يتعامل مع تلك الشركة أو من خلال منافذها.

لحل مشكلة ارتفاع الأسعار والبطالة وغيرها من المشكلات لا بد من تدخل جراحي في الاقتصاد، تدخل يقوده خبراء عالميون كبار لهم تجارب كبيرة وواسعة ومن مختلف أقطار العالم الناجح. لكن قبل كل هذا لا بد من تكليف مراكز البحث بجمع كل البيانات اللازمة عن الاقتصاد حتى اقتصاد الظل أو الخفي. كل المعلومات يجب أن تكون موثقة وصحيحة ومن ثم يتم وضعها تحت يد الخبراء في ورش عمل مركزة للخروج بنظرة وحلول اقتصادية استراتيجية وجذرية، ليس كي تهدأ الأسعار فقط، بل لنقدم للجيل القادم اقتصادا حقيقيا ديناميكيا يعرفون أين سيتجه بهم.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.