.
.
.
.

دبي نمر حقيقي

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:
أنا مسؤول كبير في وزارة خدمية، وصلت إلى منصبي بعد جهد جهيد وعمر مديد، وواسطات وعلاقات و''مفاطيح'' وهدايا و''الذي منه''. قبل أكثر من 20 سنة زارني وفد من الإمارات. كنت أدير وقتها إدارة الجودة الشاملة. قدمت لهم إيجازا عن مفاهيم الجودة الشاملة وخطط إدارتي لتنفيذها، والبرامج التي سنتبناها. كانت أسئلتهم تدل على أنهم لا يعرفون شيئاً عن الإدارة أو الجودة أو المعايير والمواصفات. طبعاً أخذت راحتي واستعرضت عضلاتي في الموضوع، وأدهشتهم جميعاً.



قبل سنة تقريباً، نشبت معركة بين الموظفين في إدارة الجودة الشاملة على المشاركة في دورة أعلنت عنها جائزة محمد بن راشد للتميز، لمن لا يعلم، هذه الجائزة هي أقوى جائزة في الشرق الأوسط والتميز هو المرحلة التي تلي الجودة الشاملة بمرحلتين. قررت أن أذهب لمعرفة سبب الضجة التي صاحبت هذه الدورة، لأكتشف أن أحد أولئك الذين زاروني قبل 20 عاماً هو المتحدث الرئيس في الدورة، وأنه يستخدم تعابير ومصطلحات لا أعرفها وكأن الوضع انقلب 180 درجة. ليصبح المعلم تلميذاً والتلميذ معلماً.



زرت دبي أربع مرات، في كل مرة كنت أعود بانطباع يمكن أن أصفه بـ ''الذهول''. أجلس مع رئيسي لأحدثه عن هذه المعجزة في صحراء كان أهلها يهاجرون للخدمة في الهند أو يقضون الأشهر تلو الأشهر في الغوص. كنت أتكلم، وعندما أنتهي من الحديث، كان رئيسي يقول عبارته المشهورة ''دبي نمر من ورق''. أصدقكم أنني كنت أتبنى تلك الكلمات كلما جاء أحد موظفي مادحاً تلك الإمارة، ''الحالة''.



جاء عام 2008، ومعه الأزمة المالية العالمية التي كانت اختباراً لذلك النمر. لقد نجح النمر في إثبات أنه حقيقي ومن لحم ودم، ويفترس كل من حوله بقدرته الفائقة على التأقلم والتفاعل والتأثير. توقف النمر قليلاً عن حراكه الجنوني، لكنه عاد فارساً يشق الغبار ويغبطه منافسوه. عادت الإمارة لتقف على قدميها وتمارس دورها الاقتصادي القوي والمؤثر في اقتصاد المنطقة، بل الشرق بأكمله. تجاوز حجم مديونية شركات ومصانع تلك الإمارة 140 مليار دولار، أي أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي .. فكيف تمكنت هذه الإمارة من تجاوز الأزمة؟



أشارك في الكثير من الاجتماعات التي تعقدها الوزارة ووكالاتها والإدارات العامة. يأتي دائماً شخص ليذكرنا بهذه الإمارة في كل اجتماع. مشروعنا الفلاني استغرق سبع سنين، بينما لم يستغرق أكثر من عشرة شهور في دبي. فندخل في نقاش الأسباب والعيوب الإدارية والمالية التي نعانيها. ويأتي في النهاية التبرير الجاهز، فلو أن الوزارة الفلانية أدت مهمتها وجهزت المواقع وربطتها لكان المشروع قد انتهى في سبعة أشهر.



جزئية المقارنة وخصوصاً مع إمارة دبي، هي الوصفة السحرية التي تجعل رئيس الاجتماع يتململ، وينظر في ساعته ويطلب المزيد من الماء، ويطالب سكرتير الاجتماع بالتحول للنقطة التالية على الأجندة. يستمتع الموظفون الجدد بإحراجنا نحن كبار المسؤولين بـ ''دبي''، وهي وسيلة للتخلص من حضور الاجتماع القادم، حيث سيطلب ترشيح بديل. السبب ليس التركيز على مدد التنفيذ، بل هناك جودة المخرجات، وسرعة التعديل في المواصفات حتى أثناء العمل، وتعديل موازنات المشاريع دون فلسفة وتأخير. إنهم يقومون بأعمال غير نظامية ولا يقرها نظام المنافسات والمشتريات الحكومية. لكنهم في النهاية ينجزون المشروع بشكل عجيب وسريع ومتوائم مع البيئة وأفضل من أي مشروع مماثل في المنطقة بل يقارنون نتائجهم بأوروبا وأمريكا.



تزعجني تلك المقارنات, ولا أشك أنها تزعج الكثير من الزملاء في مختلف الوزارات فنحن نكدح ونسهر ونعمل، لكن الجميع يتهمنا بالتقصير. صحيح أن مشاريعنا ترسو على مقاولين مؤهلاتهم أدنى من المطلوب غالباً، وصحيح أن المشاريع ما إن تستلم تبدأ الملاحظات عليها ونشرع في تحديثها بسبب طول الفترة الزمنية التي يستغرقها اعتماد وإقرار وإدراج المشاريع في الميزانية والطرح والتنفيذ، وصحيح أن مواصفاتنا أقل من المواصفات التي تطالب بها دبي، إلا أننا نعمل بإخلاص لتحقيق المصلحة العامة وحماية أموال الدولة.



أكثر ما يقهرني أن يأتي شخص ويقول مشروعكم الفلاني كلف عشرة أضعاف المشروع المماثل في دبي، وبمواصفات أقل. هنا أخرج من طوري، لأن هذا اتهام مباشر لي ولرؤسائي وموظفينا بعدم الكفاءة المالية أو التربح من المشاريع أو السرقة. هذا لأن هؤلاء الناس لا يعرفون ما نعيشه من مآس وقيود تمنعنا من طرح المشاريع بالطريقة التي تضمن أفضل الأسعار وأفضل المقاولين وأفضل رقابة على التنفيذ.



تسألوني لماذا أكره دبي؟ سؤال مشروع. ليس السبب أنني كنت أسبقهم، ثم تجاوزوني وأصبحوا ينافسون غيري. ليس لأن مشاريعهم أفضل وأكثر ملاءمة وأقل تكلفة من مشاريع وزارتي، وليس لأن الناس كلهم يبتسمون بعكس ما أراه في وزارتي. أبداً، السبب هو أنني أؤمن أن السحر محرم وأنني اكتشفت أن هذا كله لم يكن ليتحقق لهم إلا بتوظيف كل قدراتهم وإمكاناتهم وتسخيرها لنهضة دبي وقبل ذلك وبعده استخدام «السحر» الحقيقي في معايير الجودة والرقابة، وبهذا أصبح كل شيء هناك مختلفا عما هو عليه في عالمي.

*نقلا عن الاقتصادية السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.