.
.
.
.

قطاع التكرير النفطي بين ازدهار وكساد مزمن

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:
قطاع تكرير النفط في حوض الأطلسي يحقق أرباحًا على حساب طاقات التكرير التي أغلقت فعلاً أو تلك التي خصصت للإغلاق. منذ عام 2009 تم إغلاق أو إيقاف بصورة مؤقتة أكثر من 1.5 مليون برميل في اليوم من طاقات التكرير الأوروبية، إضافة إلى نحو 1.0 مليون برميل في اليوم في منطقة البحر الكاريبي وشمال شرق الولايات المتحدة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات تشغيل المصافي وحدوث تشدد في أسواق المنتجات في هذه المناطق. هذا التوقف في الطاقات أدى أيضًا إلى ارتفاع هوامش أرباح المصافي، لكن مع تحسن الأرباح بدأت بعض الطاقات المتوقفة بصورة مؤقتة بالعودة إلى العمل تدريجيًّا. في الوقت الحاضر يجني قطاع التكرير النفطي عوائد جيدة، لكن هذه الفترة لن تدم طويلاً ما لم يتم إجراء تخفيضات دائمة في طاقات التكرير.

بعض طاقات المصافي التي أوقفت بصورة مؤقتة تم فقدانها بالكامل، لكن غيرها من المصافي تم بيعها وأصبح لها مالكون جدد يحرصون على الاستفادة من هوامش الأرباح القوية حاليًّا. أكثر من 600 ألف برميل في اليوم من طاقات التكرير في أوروبا وعلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة التي كانت متوقفة مؤقتًا في السابق تم إعادة تشغيلها في هذا العام. إذا ما استمرت هوامش الأرباح قوية فإن عددًا آخر من المصافي المتوقفة قد يعاد تشغيلها أيضًا، ما قد يؤدي إلى حدوث دورة أخرى من الازدهار والكساد.

بصورة عامة من الصعب تحقيق أرباح دائمة من المصافي، حيث إن هوامش الأرباح متقلبة والمنافسة شديدة. تحتاج المصافي إلى معدلات تشغيل واستثمار للطاقات المتاحة عالية كي تتمكن من تحقيق أرباح. مع ذلك يبقى قطاع التكرير حلقة مهمة وضرورية ضمن سلسلة إمدادات النفط العالمية لا يمكن الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال. لكن دور قطاع المصافي في حوض الأطلسي يشهد تغيرًا، ذلك أن شركات النفط الكبرى تعيد التركيز على الاستثمار في قطاع الاستخراج حيث الأرباح أكبر وأضمن، في الوقت نفسه تعرض للبيع المصافي الأقل ربحية إلى شركات التصفية المستقلة، الشركات التجارية حتى إلى شركات الطيران.

أصحاب المصافي الجدد لديهم أولويات مختلفة عن شركات النفط الكبرى، حيث تعتبر الأخيرة المصافي جزءًا من سلسلة إمدادات النفط المتكاملة. أصحاب المصافي المستقلة يعتبرون تجارًا، يسعون إلى المنافسة لتحقيق أقصى قدر من هوامش الأرباح ومعدلات تشغيل عالية. إن الملاك الجدد للمصافي في حاجة إلى معدل عائد أعلى بكثير على استثماراتهم من شركات النفط الكبرى. إن تكاليف التمويل- خاصة مخاطر الائتمان ورأس المال– تتطلب حلولاً تعاونية مع البنوك أو الشركاء التجاريين؛ كي تتمكن هذه المصافي المستقلة من البقاء والمنافسة. مع ذلك هناك بعض أصحاب المصافي غير قادرين على العثور على مشترٍ مستقل لمصافيهم، ما يضطرهم إلى بيعها لتحويلها إلى محطات طرفية.

كي ينجح أصحاب المصافي المستقلة فإنهم في حاجة إلى اعتماد استراتيجيات عمل جديدة.. إن هوامش الأرباح تتعرض إلى ضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل. كما أن ارتفاع أسعار النفط يعني أن تكاليف المواد الأولية والطاقة المستخدمة للتشغيل سيصل إلى أكثر من 60 في المائة من تكاليف تشغيل المصافي، في أوروبا تحتاج المصافي أيضًا إلى شراء تصاريح انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون ما يرفع من التكاليف. لذلك تحسين الكفاءة تعتبر من الأولويات بالنسبة لأصحاب المصافي المستقلة. كما يجب أيضًا تقليص مستوى المخزون لتقليل تكاليف رأس المال وتكاليف التمويل، خاصة إذا ما كانت أسواق النفط في حالة التراجع Backwardation، بمعنى أن أسعار الشهر الفوري هي أعلى من أسعار الأشهر اللاحقة. إضافة إلى ذلك التقلبات في أسعار النفط الخام وتذبذب الفروق بين أسعار المنتجات النفطية تحتاج إلى عمليات تحوط hedging وتجارة أكثر تعقيدًا لتحقيق أعلى عائد ممكن من المصافي.

إن أسواق حوض الأطلسي بدأت بالفعل تستشعر بهذا التطور في استراتيجية التشغيل، حيث إن مخزونات المنتجات النفطية في الولايات المتحدة وأوروبا عند مستويات منخفضة بصورة استثنائية بسبب بطء استجابة المصافي للتوسع بين هوامش البنزين والديزل في النصف الأول من هذا العام. حيث إن المصافي أرادت أن تخفض من تكاليف الاحتفاظ بمخزون كبير، وكانت في حاجة إلى هوامش أرباح أكبر لتغطية تكاليف التشغيل المتزايدة. لكن خفض مستويات المخزون خلق مخاطر جديدة لهم، حيث إن أسعار المنتجات وهوامش الأرباح أصبحت أكثر تقلبًا.

إن الاستراتيجيات الجديدة لا يمكنها أيضًا أن تضمن البقاء للمصافي. الطلب على النفط في أوروبا وأمريكا الشمالية في انخفاض مستمر. وجود فائض كبير مستدام في المنتجات النفطية لا يمكن التغلب عليه إلا عن طريق إغلاق عدد أكبر من المصافي. لقد تحول حوض الأطلسي في عام 2009 من مستورد صاف للمنتجات النفطية إلى مصدر صاف لها. لكن المصافي الأصغر والأقدم في حوض الأطلسي لا يمكنها أن تتنافس مع المصافي الأكبر والجديدة في آسيا و المحيط الهادئ والشرق الأوسط، ما لم تتم إزالة طاقات التكرير الفائضة من حوض الأطلسي بشكل دائم، فإن هذا المسار المتقلب بين الازدهار والكساد سيتواصل.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.