.
.
.
.

الجمعيات التعاونيةهل تعالج مشكلة ارتفاع الأسعار؟

صلاح بن فهد الشلهوب

نشر في: آخر تحديث:
خلال السنوات القليلة الماضية شهد العالم تغيرات ملحوظة في وتيرة الأسعار، فرغم أن التضخم يعتبر ظاهرة اقتصادية اعتيادية، خصوصا بعد فك ارتباط العملات بالمعادن الذي أدى إلى مرونة كبيرة في إصدارات الأوراق النقدية لدى الدول التي تمتلك العملات الرئيسة في العالم، لذلك من خلال قراءة لأسعار الذهب من عام 1900م إلى يومنا هذا سنجد أن التذبذب في سعره بدأ منذ عام 1971، وهو التاريخ الذي فُك فيه ارتباط الدولار بالذهب. هذه المقدمة تبرز أن التضخم ظاهرة اقتصادية يصعب الانفكاك منها، لذلك تجد أن في الدول الكبرى اقتصاديا قناعة بهذا الأمر لدى المجتمع، حيث إن الأسعار ترتفع، ومستوى الدخل أيضا يرتفع، والحد الأدنى للأجور يسير مع ذلك بوتيرة متصاعدة.

هذا الارتفاع في الأسعار كان بصورة أكبر في منطقة الخليج بشكل عام، للحالة السائدة في الأسواق العالمية من ارتفاع في السلع الأساسية، وتقلبات الأسواق، إضافة إلى الأسباب التي تخص المنطقة، فبعد ارتفاع أسعار النفط شهدت نموا اقتصاديا، وزيادة في الناتج القومي، الذي عزز الإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية، ومشاريع البنى التحتية، الذي أدى إلى زيادة في حجم السيولة في السوق، وبالتالي ساعد على تحفيز ارتفاع الأسعار.

الجمعيات التعاونية عبارة عن مؤسسات لا يتم تأسيسها على أسس ربحية، لكن تعمل على إيجاد توازن في السوق، بحيث توفر السلع التموينية بأسعار مناسبة لتحدّ من الارتفاع غير المبرر في السوق، وللجمعيات التعاونية تجارب في بعض دول الخليج مثل الكويت.

لكن السؤال هنا هو: هل إنشاء هذه الجمعيات في هذا الوقت سيحدّ من كبح جماح الأسعار في السوق؟

الحقيقة أنه رغم الأثر الذي قد تحدثه هذه الجمعيات في السوق إلا أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار قضايا، منها:

أن الجمعيات التعاونية قد لا تكون مجربة عالميا على نطاق واسع، وحالة التضخم والارتفاع في الأسعار تعانيها الكويت كغيرها من دول الخليج، ولذلك قد تكون نجحت بشكل واضح في إيجاد أداة استثمارية بين أفراد المجتمع، لكن ليس من المتوقع أن يكون لها أثر كبير في التأثير في الأسعار، خصوصا أنها تؤثر في أسعار التجزئة، لكن يبقى أثر ارتفاع الأسعار عالميا، وارتفاع الأسعار بسبب تاجر الجملة أو المورد للسلع.

إن الجمعيات التعاونية قد تجد الإمكانات لإنشائها في المدن الكبرى، لكن قد يكون من الصعب إنشاؤها في المدن الصغيرة والقرى، والتي قد يكون سكانها أحوج.

إن الجمعيات التعاونية تعاني المنافسة الكبيرة في السوق بما لا يساعدها على تقديم السلع بأسعار منخفضة مقارنة بالسوق، حيث نجد أن تجربة الجمعيات التعاونية موجودة في بعض الجامعات الحكومية في المملكة، لكن لم يؤد ذلك إلى تدني أسعارها، ولا كسب رضا المستهلك، حيث ما زالت أسعارها أعلى من الأسعار في الأسواق المركزية، ولا توفر السلع بما يحقق رضا المستهلك.

يضاف إلى ذلك أن هذه الجمعيات قد تعاني تكلفة عالية لإنشائها وتشغيلها بسبب المنافسة الكبيرة في السوق.

لذلك قد يكون من الأولى البحث في طرق أفضل لمعالجة مشكلة الارتفاع في الأسعار، ومن ذلك إعادة النظر في سياسة الدعم الحكومي بحيث يكون الدعم بشكل المباشر لمحدودي الدخل والفقراء، وذلك من خلال بطاقات تموينية، وهو ما يسميه بعض الخبراء الدعم الذكي، خصوصا لبعض السلع، إذ إن الدعم الشامل يستفيد منه الغني الذي يحقق دخلا قد يفوق المليون سنويا، والفقير الذي يعاني ليوازن بين دخله واحتياجاته، ثم إن الدعم الشامل قد لا يستفيد منه المواطن فقط، حيث يستفيد منه السائح والزائر وغيرهم، في حين أن الهدف منه تخفيض تكلفة المعيشة على المواطن.

لو لاحظنا في بعض السلع التي ارتفعت أسعارها أخيرا لوجدنا أنها قد لا تكلف الأسرة 100 ريال شهريا، وهذه مؤثرة بشكل واضح في محدودي الدخل، لكن لا تمثل شيئا يذكر لأصحاب الدخول الجيدة.

من الأمور التي ينبغي التركيز عليها ومعالجتها مسألة السكن، إذ إنه يؤثر بشكل أكبر في المواطن، فالإيجار قد يأخذ أكثر من 30 في المائة من دخل الفرد، في حين أن السلع التموينية الضرورية قد لا تكلفه أكثر من 10 في المائة.

الخلاصة أن إنشاء الجمعيات التعاونية قد لا يكون الحل الأمثل لمعالجة الارتفاع في الأسعار، وإن كانت أحد الخيارات، لكن الأهم هو الدعم المباشر للمحتاج، سواء الفقراء أو محدودي الدخل من المواطنين في المجتمع.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.