.
.
.
.

صندوق الأجيال القادمة ضرورة أم ترف؟

رشود الخريف

نشر في: آخر تحديث:
حذر تقرير صندوق النقد حول التوقعات الاقتصادية والتحديات السياسية في منطقة الخليج الصادر قبل عدة أيام من الاستمرار في سياسة الإنفاق، مشيراً إلى أنه يجب على دول الخليج أن تخطط للحد من الارتفاع في الإنفاق الحكومي حتى لا تتحول فوائض الميزانيات إلى عجز بحلول 2017، خاصة في البحرين وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية. وتوقع التقرير انخفاضاً في أسعار النفط بشكل تدريجي، ما سيؤدي إلى انخفاض تدفقات رأس المال.

خلال السنوات الماضية، تمتعت الدول الخليجية بدخل وفير، ما أدى إلى زيادة الإنفاق الحكومي بنسب مختلفة لا تقل عن 20 في المائة تقريباً في كل دولة. ونتيجة لارتفاع أسعار النفط وبقائها عند مستويات معقولة، شهدت المملكة العربية السعودية طفرة اقتصادية ثانية، نتج عنها استكمال بعض مشروعات البنية الأساسية، وإنشاء العديد من المشروعات الصناعية والتعليمية، إضافة إلى زيادة الرواتب، ودعم صندوق التنمية العقارية وبرنامج حافز، ما انعكس على تحسن في مستويات المعيشة.

وكما هو معروف، تعاني الدول التي تعتمد على مورد واحد مخاطر تقلبات الأسعار، بل تزداد الخطورة في حال نضوب المورد الذي تعتمد عليه تلك الدول، أو في حال تعرض أسعاره لبعض الهزات الاقتصادية. وتُعد دول الخليج العربي، ومنها المملكة العربية السعودية، من الدول المعتمدة على مورد واحد. ولهذه الدول بعض الجهود لتنويع اقتصاداتها من خلال تشجيع الصناعة والزراعة والخدمات، لكنها لم تنجح بدرجة كبيرة، ما يؤكد الحاجة إلى مزيد من الجهود المبتكرة. ومن البديهي أن الموارد الطبيعية كالنفط والمعادن والمياه ليست ملكاً للجيل الحالي وحده، بل تشترك فيها الأجيال القادمة. لا بد أن نؤمن بذلك إذا أردنا أن نصنع مستقبلاً زاهراً لأبنائنا واستدامة حقيقية لتنمية بلادنا.

في ضوء ذلك، لم يعد ترفاً إنشاء صندوق استثمار للمستقبل، بل أضحى حاجة ملحة. ويمكن أن يُسمى "صندوق الأجيال القادمة" كما سبق أن اقترحت ذلك منذ سنوات في مقالة في إحدى الصحف المحلية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست جديدة، بل تطبقها بعض الدول لضمان استمرارية النمو الاقتصادي والمحافظة على مستوى معيشة مناسب مثل الكويت والسويد والنرويج وغيرها.

لا ننكر أن للدولة جهوداً مشكورة في توجيه فائض الميزانية لتحقيق مزيد من التحسن في مستويات المعيشة، ودفع عجلة التنمية من خلال إنشاء الجامعات والمدن الاقتصادية، إضافة إلى سعيها لتسديد الديون المتراكمة خلال السنوات الماضية. لكن مع الفوائض الكبيرة المتوقعة للسنة المقبلة أو السنوات الثلاث التالية، فإن الوقت مناسب لإعلان إنشاء "صندوق الأجيال القادمة" ليكون بمنزلة استثمار للمستقبل لضمان استدامة التنمية والمحافظة على مستوى معيشي لائق. كما أن الاستثمار "للمستقبل" يحمي اقتصاد البلاد من التقلبات والهزات الاقتصادية التي قد تشهدها سوق النفط، كما حدث في الماضي القريب. فلا تزال في الذاكرة تلك الآثار السلبية الكبيرة للتقلبات في أسعار النفط على اقتصاد المملكة، خاصة تلك التي حدثت في منتصف الثمانينيات وكذلك منتصف التسعينيات الميلادية. فقد انعكست آثار تلك التقلبات على مناحي الحياة كافة ونتج عنها ركود في التوظيف وبعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى. وفوق هذا وذاك، فإن الثروات الطبيعية سواء البترول أو الموارد البيئية الأخرى لا ينبغي أن تخصص وتسخر وتستغل لمصلحة هذا الجيل فقط، فللأجيال القادمة حق في هذه الموارد الطبيعية!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.