.
.
.
.

إغلاق المنافذ الاستثمارية أمام ذوي الدخل المحدود

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:
مقولة إن الوظيفية الحكومية أكثر أمانا مقولة لا تخلو من الصدق أحيانا. فنحن نعرف جميعا أن العمل الحر يحمل في طياته مخاطر قد يخسر معها الواحد منا كل ما يملك ليبقى فقيرا معدما ما تبقى من حياته. وفي المقابل يواجه العمل في القطاع الخاص مخاطر الفصل عن العمل بإنذار وأحيانا بلا سابق إنذار، ولن تشفع له خدماته عند انتهاء المدة وقد لا يجد وظيفة في أي وقت قريب ثم عليه الصبر بلا دخل حتى يقتنع به موظفو ''حافز''. يبقى القطاع الحكومي دافئا وأكثر أمانا ويحمل معه الأمل في الترقية مع رواتب تقاعدية لا بأس بها، فلست مهددا بالطرد هناك دون أسباب قانونية معروفة. المشكلة أن الموظف الحكومي ''محدود الدخل''. وبغض النظر عن بعض الأساليب التي يلجأ إليها البعض للتحايل على النظام للتمكن من إنشاء مؤسسات تجارية وهم على رأس العمل الحكومي إلا أن الغالبية فعلا هم من ذوي الدخل المحدود وأشدهم حالا في ذلك العسكريون. وعندما نقول محدودي الدخل فليس المقصود قلته، بل مصدره المحدود في الوظيفة فقط.

الدخل المحدود كما هو اسمه البائس، فهو محدود بكل شيء، فحتى لو استطاع الواحد من هذه العريضة السيطرة على مصروفاته وعائلته ونجح بعد صبر وعناء ومناكفة في توفير بعض المال لتحسين مستوى معيشته ثم قرر استثمار هذا المبلغ في واحدة أو أكثر من المنافذ الاستثمارية النظامية لتدر عليه دخلا إضافيا، ففي هذه الحالة ستكون أمامه الخيارات التالية: سوق الأسهم، سوق العقار، سوق العملة، سوق الذهب، المساهمات وتشغيل الأموال، المحافظ البنكية والودائع. هل هناك منافذ أخرى بحيث لا يخالف هذا الموظف النظام بالجمع بين وظيفته ووظيفة أخرى؟ والآن لنقيم هذه المنافذ المتاحة لذوي الدخل المحدود في بلادنا.

أولا: سوق الأسهم، نحن نعرف أن هذه السوق تعج بالشركات الخاسرة فإذا قرر هذا الموظف استثمار أمواله في شركة ذات عوائد تدر عليه دخلا سنويا إضافيا فإنه معرض في أية لحظة لخسارة رأسماله مع انخفاض القيمة السوقية للأسهم واستمرار هذا الانخفاض فترات طويلة لا تمكنه من الخروج من السهم دون خسائر فادحة، ثم في ذهول الانتظار قد يقرر مجلس إدارة هذه الشركة وكبار المساهمين فيها زيادة رأس المال وبذلك يتعرض الدخل الذي كان مأمولا للانخفاض تبعا لزيادة عدد الأسهم وعليه هنا (للمحافظة على الدخل نفسه) أن يشتري الأسهم وفقا لقاعدة حقوق الأولوية، لكن إذا لم يكن لديه أي مبالغ مدخرة لذلك فما الحل؟ ثم إذا لم يستطع أن يستمر في الشركة، فهل يخرج منها بالبيع عند أول ارتفاع للسهم لكنه حتما سيخرج بخسائر فادحة في رأسماله لم تتمكن العوائد السنوية من تغطيته. هذه أفضل الحالات الاستثمارية في سوق الأسهم، فإذا قرر وضع أمواله في محافظ الصندوق الاستثمارية فله عندي أن يقل رأسماله باطراد ولن يجني منها سوى الألم والحسرة فقط على أن هذه الصناديق تدعي أنها تستثمر في شركات عوائد ومع ذلك لا تمنح المشاركين أصحاب الوحدات والمالكين الحقيقيين لأسهم الصندوق شيئا من هذه العوائد أو غيرها، بل عليهم الخروج من الصندوق ببيع وحداته ولو بخسارة (وهي الحال دائما) وكأنهم مضاربون في سوق الأسهم مباشرة.

ثانيا: السوق العقارية، شخصيا لا أعتقد أن مواطنا من ذوي الدخل المحدود (خاصة الشباب منهم) قادر على شراء عمارة فيها شقق سكنية متعددة حتى تدر عليه دخلا إضافيا، ولا أعتقد أنه يستطيع بناءها لأنه في حاجة إلى أرض أولا. فإذا لم يرث أرضا فلن يجدها بسعر معقول ولن يجد منحة في منطقة مأهولة، وإذا استطاع الحصول على تمويل من البنك فلن تكون الأرض باسمه في القريب العاجل، ولن يتمكن من الحصول على قرض عقاري عليها، حتى لو تحقق ذلك فلن يكون ذلك القرض العقاري متاحا قريبا، ثم إذا حصل وحقق كل ذلك فلن تكون العوائد كافية لأكثر من تسديد قيمة التمويل البنكي والعقاري فوائدها وبذلك سيبقى محدودا على راتبه الحكومي مهما فعل في العقار واحتال فيه. تبقى أمامه المساهمات العقارية وهنا ''الشق أكبر من الرقعة'' فلا خير في المساهمات وشركات تشغيل الأموال التي ندفع فيها حالا لنسترد ما دفعناه بعد سنوات من الشكوى وحكم القضاء.

في مجالات العملة ومضاربتها لا أعتقد أن موظفا حكوميا من ذوي الدخل المحدود قادر على متابعة تغيرات العملة والبيع باللحظة هذا مستحيل عمليا، إلا إذا تخلى عن عمله وتابع كل لحظة من لحظاتها. ثم هو صعب ومستحيل بلا خبرات اقتصادية كبيرة لتتبع وتوقع كل المشاكل السياسية وتأثيراتها في النمو الاقتصادي الذي يعكس الطلب على العملة في المدى المتوسط والمراهنات القصيرة على التغيرات في أسعار الفائدة والتوقعات العالمية لأسعار النفط والذهب وحركة واتجاهات الأزمات الاقتصادية والبطالة وأسعار التجزئة، فالتجارة في العملة عمل صعب ومجهد وخبرات ضخمة ومخاطر جسيمة لا تتوافر جميعا لموظف يذهب إلى مكتبه الساعة الثامنة ويخرج الثالثة تقريبا. فماذا يبقى لدينا، سوق الذهب العالمية هي حال سوق العملة وسوق الذهب المحلية يبيعون الزجاج ذهبا فلا مجال للاستثمار معهم ولو أتيتهم بعد قرن لبعتهم ذهبك بخسارة. تبقى الودائع البنكية وإذا تجاوزنا قضية الحلال والحرام فالعوائد ضعيفة جدا جدا، والمصرفية الإسلامية ليست أحسن حالا، بل أقل. فأين المفر من عقد الدخل المحدود؟

إذا استمرت الحال كما هي عليه فلن تتنامى القدرة الادخارية لدى المواطن والأسرة السعودية، بل إنه كلما استطاع ادخار مبلغ معين في آخر السنة ولم يجد منفذا استثماريا له صرف حالا ما وفره في نزهة للخارج أو في الداخل وعاد مع نهاية العام من حيث بدأ. ومع مرور الوقت ستتركز الثورة في يد عدد قليل جدا من الأثرياء وسيكون مصير أبناء الدخل المحدود هو البطالة أو دخل آخر أقل قيمة مما كان عليه أبوه، وذلك كلما تزايد عدد السكان، وسنصل بعد سنوات من اليوم إلى موظفين يتقاضون أجورا أدنى من خط الفقر وأثرياء أبناؤهم أثرياء بلا سبب منطقي سوى احتكار الثروة.

نريد اليوم حلا شاملا لانغلاق المنافذ الاستثمارية أمام المواطن البسيط حتى ينقذ أبناءه من خط الفقر المنحدر بهم، ولا حل في نظري ما لم يتم كسر الاحتكارات ويزداد عدد الشركات ويتحسن وضع سوق الأسهم بصورة شاملة وتنخفض المخاطر فيها إلى حدها الأدنى، كما يجب أن تنشئ الدولة صناديق استثمارية خاصة للمواطنين (على غرار التأمينات الاجتماعية والتقاعد) يستثمرون مدخراتهم السنوية فيها مهما انخفضت وتدر عليهم عوائد ''سنوية'' مجزية. هذه الصناديق يمكنها المشاركة بشكل واسع في التنمية وتوجيه مجموع المدخرات نحو مشاريع تنموية مهمة لا يحتكر أرباحها فرد أو مجموعة تحت أي ظرف واسم.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.