.
.
.
.

الشركات المساهمة الفاشلة مسؤولية مَن؟

رشود الخريف

نشر في: آخر تحديث:
نشرت ''الاقتصادية'' في 5/11/2012 خبرا يفيد بأن 39 شركة مساهمة مدرجة في سوق المال السعودية تسجل خسائر متراكمة، ثلاث منها تجاوزت خسائرها رأسمالها (هي المعجل، وبيشة، وأسيج). وما يثير الاستغراب أن القائمة تشتمل على شركات من المفترض أن تحقق أرباحا كبيرة، مثل: كيان، بتروكيم، بترورابغ، مبرد، زين، وجبل عمر، لكون كل منها تعمل في مجال تحقق الشركات الخاصة العاملة فيه أرباحا هائلة. وهذا –في الحقيقة- ما يُثير تساؤلات المساهمين (المغرر بهم) للاكتتاب في هذه الشركات من قبل الجهات المسؤولة التي منحتها إذن الطرح للاكتتاب العام دون التحقق من أصول هذه الشركات ومصداقية وجدية مؤسسيها أو حتى خطة عملها وجدوى إنشائها، خاصة أن بعضها الآن تتداول أسهمها بأقل من 50 في المائة من قيمتها الاسمية الأصلية مثل شركة زين على سبيل المثال، ما أدى إلى فقدان مساهمي هذه الشركات نسبة من ثرواتهم، وذلك نتيجة تعرضها لخسائر فادحة سواء تشغيلية أو استثمارية، وهذا يعكس ضعف كفاءة مجالس إداراتها أو إداراتها التنفيذية وعدم اهتمامها بالمخاطر التي تتعرض لها، سواء تلك المخاطر المتعلقة بأداء الاقتصاد أو أداء القطاعات الاقتصادية أو مخاطر الدورات الاقتصادية أو مخاطر السيولة والتدفقات النقدية وغيرها.

لا يهمنا الماضي كثيرا، فقد عفا الله عما سلف، كما نقول –دائما- لنعزي أنفسنا ونخفف مصابنا، لكن ونحن أمام هذا العدد الكبير من الشركات الخاسرة، تساؤلات كثيرة تدور في أذهان الناس حول أسباب هذا التعثر: هل هو بسبب ضعف كفاءة المؤسسين في مجال عمل الشركة ونقص خبرتهم؟ أم أن المؤسس قبض ثمنها (وأكثر) من خلال الاكتتاب العام، ولم يعد يلتفت أو يهتم بما تتكبده الشركة من خسائر؟ أم أن تلك الشركات لا تدار بكفاءة ولا تخضع لرقابة من قبل الجهات الرقابية؟ أم أنها لم تؤسس بناء على دراسات جدوى جادة، إنما كان الهدف ملء الجيوب من خلال الاكتتاب العام، الأمر الذي درج عليه الذين ''يعرفون من أين تؤكل الكتف''؟ أم أنها لم تطرح –أصلا- للاكتتاب العام إلا بهدف بيعها للمكتتبين المساكين والتخلص منها. ولا يقل عن ذلك أهمية، أين هيئة سوق المال طوال الفترة التي تتراكم فيها الخسائر التي تفوق رأسمال بعض الشركات؟

إن الجهات التي تتحمل مسؤولية الإجابة عن جميع هذه الأسئلة هي هيئة سوق المال ووزارة التجارة. فهيئة المال هي المسؤولة عن متابعة الشركات والتأكد من تطبيقها لأنظمة الشركات المساهمة، بل هي الجهة التي ترعى مصالح المساهمين وتتابع سلامة الشركات المدرجة في السوق.

ولا شك أن الوزر الأكبر تتحمله الجهة التي تمنح الموافقة على الطرح للاكتتاب العام، بممارساتها غير المؤسسية. ففي بعض الحالات، يعتمد منح ترخيص الطرح للاكتتاب على الوجاهة والمحسوبيات لا على أساس نظامي شفاف ونزيه، وإلا لماذا لا تقوم جهة مستقلة بتقييم الشركة قبل الطرح وإعلان النتائج دون مواربة، كي يكون المكتتب على بيّنة من أمره، خاصة أنه يعلق الثقة بالمؤسسات الرسمية، وهي التي من المفترض أن تحرص على مصلحته.

علاوة على ذلك، ليست هناك متابعة لأداء المجالس ومراقبة لممارساتها، فبعض رؤساء مجالس الإدارة يتصرف وكأن الشركة مملكته الخاصة، على الرغم من أنه -في الواقع- قد قبض قيمتها (أضعافا مضاعفة) من خلال الاكتتاب العام، لكن –بقدرة قادر- بقي هو المالك لأكبر نسبة من الأسهم نتيجة المبالغة في تقييمها عما هي عليه في الواقع.

ولعل هذا الأداء المخجل لبعض منشآت القطاع الخاص والأداء الأكثر إحباطا لهيئة سوق المال هو ما جعل اللجنة المالية في مجلس الشورى توجه الاتهام لهيئة سوق المال بخصوص انتهاك الأخيرة قواعد وإجراءات وشروط التسجيل والإدراج للشركات المطروحة للاكتتاب العام. فهل سيتحسن أداء هيئة سوق المال أم أنها في حاجة إلى ''هيئة مكافحة فساد سوق المال'' لتصحح مسار سوق الأسهم المتعثر وتحد من تلاعب المتلاعبين من الهوامير وأعضاء مجالس الإدارة وشركات الاستثمار في سوق الأسهم وتحميل أعضاء مجالس الإدارة مسؤولية كاملة عن خسائر شركاتهم؟

ختاما أقترح أن تقوم هيئة سوق المال بتكليف جهة مستقلة بدراسة الشركات المدرجة في سوق المال بشفافية وعدالة ومهنية ونزاهة، يتم من خلالها تصنيف الشركات إلى فئات حسب الأداء والممارسات، وتحدد مواطن الخلل في كل شركة سواء كان إداريا أو ماليا أو استثماريا، خاصة مع سهولة التلاعب في تقارير المحاسبين القانونيين.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.