.
.
.
.

ماذا تعني الميزانية؟

مكرر

نشر في: آخر تحديث:
في مثل هذا الوقت من كل عام نستقبل الميزانية العامة للدولة حاملة الكثير من البشائر والوعود، ومنذ سنوات والميزانية في ازدياد في أرقامها، نظرا لارتفاع أسعار النفط، والتخلص من الدين العام الذي جاء نتيجة حرب الخليج الثانية حين دخلت المملكة مع دول الخليج حرب التحرير. ترى ماذا تعني الميزانية العامة للدولة؟ في أي بلد الميزانية العامة للدولة يفترض أنها تمثل حجر الأساس المادي للتنمية، الذي يحرك معظم مناشط الحياة، ويضخ الدم في عروقها ليستمر النماء والتطور والحيوية والإنتاج على مدى سنة مالية، هذا هو المعنى العام، لكن هناك معان أكثر تفصيلا وتحديدا، منها ما هو اجتماعي، أي يستفيد منه المجتمع بشكل عام، ومنها ما هو شخصي، أي محدود بحدود الفرد. الاجتماعي يتمثل في البنية التحتية وضرورة استكمالها لتكون على أحسن مستوى وبأفضل صورة، ولو تأملنا في وضع مدننا الكبيرة والصغيرة لوجدنا أنها تفتقد الكثير من هذه الأشياء. فالصرف الصحي وتصريف السيول والمياه والكهرباء والمدارس والمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، وغيرها تمثل حاجات أساسية لكل المدن، والقرى في المملكة، وهذا هو الوقت المناسب لتنفيذ هذه الأشياء مع هذه الوفرة المالية قبل أن ينضب النفط، ويأتي اليوم الذي نتمنى فيه هذه الوفرة المالية.

ميزانية الدولة يفترض أن تتضمن نسبة توجه لتنمية واستحداث مصادر دخل جديدة، لأنه من الحتمي أن النفط لن يستمر إلى الأبد، وقد كتب الكثير من المتخصصين عن هذا الموضوع لكن يظهر بشكل جلي أنه لا توجد خطة محددة في هذا الاتجاه إلا إذا كان الأمر يتم بصورة سرية، مع أني لا أعتقد ذلك، لأن إيجاد مصادر بديلة للنفط أمر وطني وشأن عام يفترض أن يطلع عليه الجميع، ويكون محل دراسة من الجامعات ومراكز البحث، إضافة إلى إتاحة الفرصة لتناوله من قبل المختصين مناقشة وتداولا على شكل ندوات ومؤتمرات، وورش عمل متخصصة، وهذا ما لم أسمع أو أقرأ عنه.

المعنى الخاص لميزانية الدولة يتمثل في حاجات الأفراد وتطلعاتهم، فهذا موظف مرتبه محدود ويتطلع إلى زيادة مرتبه ليتمكن من العيش عيشة كريمة له ولعائلته، وهذا مواطن بلا سكن، ويتطلع إلى الميزانية لعل أن يكون فيها ما يضمن له أو يمكنه من امتلاك سكن، وثالث مريض ويعاني علة أقعدته، ويتمنى أن يجد في الميزانية ما يسهل علاجه إما في الداخل أو في الخارج، أما الشاب العاطل فأمنيته أن تتضمن الميزانية فرصا وظيفية تؤمن له وظيفة تكفيه وتغنيه عن أن يمد يده لأبيه أو أمه.

الميزانية، من وجهة نظري، أعتقد إضافة إلى ما ذكر سابقا أن تركز على تدريب من لا مهنة ولا حرفة له، ويجب أن يعطى هذا الموضوع الاهتمام اللازم، إذ في هذا المشروع الوطني تقليل من نسبة الفقر والبطالة، وإشغال الشباب في مهن تدر عليهم وعلى عائلاتهم بدلا من أن يكونوا عالة على الآخرين.

ميزانيات السنوات الماضية نجد فيها بنودا للمشاريع وبنودا للتعليم، والتدريب والصحة، لكن نجد أن معاناة المواطن لم تتغير عند مراجعة المستشفيات أو عند البحث عن العمل، كما أن نسبة الفقر في ازدياد. هل نجعل من مناسبة إعلان الميزانية لهذه السنة فرصة لمراجعة واقعنا وخططنا لنرسم خطة جديدة نعتمد فيها على مبدأ الأولويات بدلا من الاستمرار في الحياة الروتينية؟ المراجعة تقتضي أن نحاسب أنفسنا محاسبة نظامية، وليست مشاعرية فقط، بحيث نعرف أين التقصير ومن المتسبب فيه، وهذا ما ذكره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في إحدى مناسبات إعلان الميزانية، حين ذكر أن المشاريع لا تنفذ بالشكل الصحيح، بل ذكر أنه تتم سرقتها.

جميل أن نسمع الأرقام الفلكية للميزانية، لكن الأجمل أن نرى مطارا نباهي به مطارات الدول الأخرى، ونقلا عاما يليق بنا في مدننا، ومدارس نتمكن من تعليم أبنائنا وتربيتهم فيها بالشكل الذي يجعل منهم مشاريع مستقبلية ناجحة تفيد وطنها وتفيد نفسها، ومستشفى نعالج فيه مرضانا بدلا من تركهم يبحثون عن العلاج في أصقاع العالم، هذا هو مفهوم الميزانية الحقيقي بدلا من أن نودع ميزانية هذه السنة ونستقبل ميزانية العام القادم ونحن في مكاننا لم نتحرك.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.