.
.
.
.

في سورية إفقار الفقير أيضاً

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:
«لكل شيء حدود. لا يمكن تحويل الحديد إلى ذهب»

مارك توين - أديب أمريكي

بعد أن فرض بشار الأسد ''اقتصاد المقايضة'' على الشعب السوري، لا سيما في المناطق التي لديها شيء ما تقايض به. وبعد أن أفرغ البلاد من كل مقدراتها (أباً عن ابن)، ويواصل إفراغها من سكانها قتلاً وتهجيراً. وبعد أن سحب ما في جيوب السوريين من ليرات متبخرة القيمة أصلاً، لا يسندها إلا الوهم؛ لم يبق للسوريين شيء يساعدهم على متطلبات الحياة اليومية، بصرف النظر عن طبيعة هذه الحياة، التي تراوح بين القصف المتواصل بالطائرات الحربية، وإسقاط القنابل ''البرميلية'' عليهم مع القنابل الفوسفورية، واستهدافهم حتى على المخابز، وتحويل المدارس إلى ثكنات، والجامعات إلى مواقع عسكرية، وقنص ما أمكن منهم. فهي حياة لا بد أن تُعاش. وهي بحد ذاتها تحد لنظام لا يستمر إلا بالقضاء عليها. ألم تكن قبل الثورة ميتة؟

''اقتصاد المقايضة'' تلا مرحلة ''اقتصاد الفقر وما دونه''، في سياق أنواع لا حصر لها من ''اقتصادات الخراب''. هذا إذا كانت تستحق أساساً التوصيف الأول. فإذا كان سكان المناطق الزراعية التي لم تصل إليها آلة الأسد الماحقة (وهي قليلة جداً)، يجدون ما يقايضون به، من خلال ما ينتجونه لاستهلاك أسرهم، والحصول على منتجات أخرى ضرورية، فإن سكان المدن ليس لديهم هذا ''الثراء''. مع ضرورة الإشارة إلى أن ''حراك'' المقايضة يتم بعيداً عن المناطق التي توالي الأسد وعصاباته. دون أن ننسى أن النزوح الهائل الذي يتم على مدار الساعة في سورية، أضاف أعباء كبيرة على كاهل سكان المناطق الريفية بشكل عام. ولكي يكرس مصائبهم، يمنع الأسد عن هؤلاء كل الاحتياجات الخاصة بالإنتاج الزراعي، بما في ذلك الوقود والبذور والسماد وغيرها. فاستراتيجيته تتخلص بإما أن يُقَتلوا أو يموتوا جوعاً.

ومع ذلك، فإن هؤلاء يعيشون بنعمة (بصرف النظر عن مدتها وجودتها)، مقارنة بسكان المدن، الذين يحصلون على رواتب أقل 60 في المائة من قيمتها قبل سنة، ويعيشون جنباً إلى جنب، مع غول البطالة المتعاظمة. الآن في سورية أكثر من 55 في المائة من اليد العاملة لا تعمل، من فرط الإغلاق اليومي للشركات والمؤسسات على مختلف أحجامها. بل حتى المؤسسات ''الحكومية''، لم تعد تشكل ضمانة لنسبة من القوى العاملة. فهذه الضمانة لا تأتي إلا من خلال حكومة شرعية. وفي سورية لا توجد مثل هذه الحكومة، ولم تقم الثورة الشعبية العارمة إلا من أجل شرعنة الحكم ومؤسسات الدولة.

في ظل هذا المشهد الفظيع، ابتكر الأسد اقتصاداً تخريبياً آخر، وهو ''إفقار الفقير''! وهذا لوحده يشكل جريمة أخرى ضد الإنسانية، لأنه متعمد، ولأنه جزء أصيل من استراتيجية الأسد الشاملة. فطبقاً للإحصاءات الميدانية، بلغت نسبة المواطنين الذي باعوا ما يملكون من الذهب أكثر من 40 في المائة. وهؤلاء لم يبيعوا الألماس أو البلاتين أو اللؤلؤ المكنون، وغيرها من أنواع المجوهرات، لأنهم ببساطة لا يملكونها. ما باعوه ليس سوى خواتم الزواج والهدايا الرمزية التي تقدم عادة للمواليد. وحتى عمليات البيع هذه لا تتم بعد مراجعة ذاتية. يدخل ببساطة ''الزبون'' إلى محل المجوهرات، وينزع الخاتم من أصبعه، ويعرضه للبيع. ولنا أن نتخيل فداحة مشاعره وهو يقوم بهذه العملية التجارية الفظيعة. الجملة الوحيدة التي ينطق بها خجلاً، هي تلك التي يوجهها لصاحب المحل ''ألا يمكن أن تقدم لي سعراً أفضل''؟ وفي أغلب الأحيان الجواب: لا.

''إفقار الفقير'' ولد نوعاً جديداً من المرابين. فالبائعون هنا ليسوا تجار ذهب ومجوهرات، بل باحثون عن ثمن للقمة العيش. وهنا فقط يتوالد المرابون، وتنتعش أسواقهم. أليسوا دائماً تجار المحن، ومستثمري المصائب؟ أليس هذا ما يهدف إلى إنجازه النظام المتهاوي في سورية؟ منذ عام، بدأ الأغنياء في تحويل أموالهم إلى الذهب بكل أشكاله. والغالبية العظمى من الأغنياء في البلاد لا يمكن فصلهم عن النظام نفسه. فهم لا يكتسبون هذا التوصيف إلا إذا كان راضياً عليهم، وفي الأغلب الأحيان مشاركاً معهم. وهذا هو الذهب ''العاطفي'' لا التجاري، يصب في خزائنهم، وفي حقائبهم المهربة إلى الخارج. وإذا كانت نسبة أصحاب هذا الذهب بلغت 40 في المائة من السوريين، فإنها ستصل بلا شك إلى 100 في المائة، فيما لو طال أمد هذا النظام الوحشي.

سيزول الأسد بالتأكيد، وسيترك في سورية ''خراباً عاطفياً'' يضاف إلى الخراب الكلي الذي أوقع به البلاد لأكثر من أربعة عقود، بعد أن فرض كل أنواع الاقتصادات التي لم تترك شيئاً للسوريين ليبنوا عليه. إنهم مطالبون ببناء اقتصاد جديد في واحدة من أقدم دول العالم، وعليهم أن يتمسكوا بـ ''الذهب'' الحقيقي الذي تملكه ثورة اتُفق على أنها استثنائية بكل معايير الثورات. فهي الوحيدة الآن التي ستوفر الأساس لبناء دولة يستحقها كل سوري ضحى بكل شيء من أجل الخلاص من نظام ما كان ينبغي أن يكون

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.