.
.
.
.

المصارف المحلية وتحييدها المخاطر المالية

طلعت زكي حافظ

نشر في: آخر تحديث:
ندوة بعنوان (الاستثمار في أفضل الممارسات لإدارة المخاطر في ظل بيئة رقابية متغيرة" والتي نظمها المعهد المصرفي التابع لمؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) بالتعاون مع شركة موديز انلتكسMoody's Analytics بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الجاري، كشفت عن عدد من الممارسات التي تسهم بفاعلية في إدارة المخاطر المالية في منشآت القطاع المصرفي المحلي.

وتأتي أهمية إدارة المخاطر المالية في المنشآت نتيجة توسع دائرة ونطاق الأزمات المالية العالمية التي حلت بالاقتصاد العالمي خلال السنوات الخمس الماضية، منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008 وما تبعها من أزمات مالية أخرى والتي تسببت مجتمعة في انهيار عدد من اقتصادات دول العالم ومؤسساتها وأنظمتها المالية والمصرفية والاستثمارية.

رغم مضى أكثر من أربع سنوات على انطلاقة الأزمة المالية العالمية، إلا أن العالم ما زال يعاني تأثيراتها السلبية في أداء الاقتصاد العالمي، رغم الجهود التي بذلتها الحكومات والمصارف المركزية والسلطات الرقابية والهيئات المالية على مستوى العالم لإعادة الاستقرار إلى أسواق المال والمؤسسات المالية على مستوى العالم حيث ما زال الاقتصاد العالمي ينمو ببطء شديد، وتتسع الهوة بين عمليات الإصلاح والأداء الفعلي للاقتصاد.

ويكمن السبب الحقيقي وراء عدم قدرة العديد من دول العالم على التغلب على مشكلة الأزمة المالية العالمية، هو استمرار بنوكها المركزية في انتهاج سياسة نقدية توسعية لفترة طويلة من الوقت بهدف إنعاش الاقتصاد في ظل تراخي رقابتها على البنوك التجارية والاستثمارية وعلى أسواق المال، ما اضطرها إلى زيادة حزمة الإصلاحات وتسريع وتيرتها التي لعل من أهمها إصدار التشريعات والمعايير الخاصة ببازل 3 لتعزيز الرقابة على البنوك والأنظمة المصرفية.

رغم الجهود العالمية التي بُذلت على مستوى العالم، لإصلاح الاقتصاد العالمي سواء تلك التي بذلت على مستوى مجموعة دول العشرين أو غيرها، إلا أن نطاق الأزمة المالية العالمية أخذ في التوسع ليطول الأسواق الأوروبية والماليات العامة للعديد من الدول الأوروبية، وبذلك عادت الأزمة المالية العالمية لتهدد سلامة الاستقرار المالي لعدد من دول العالم، نتيجة تراخي الرقابة على المخاطر المالية.

وبالنسبة لتعامل المصارف المحلية مع إدارة المخاطر المالية، فقد حرصت البنوك على تطوير البنية الأساسية لإدارات المخاطر لديها واتخاذ الخطوات والإجراءات الكفيلة بتحييدها قدر الإمكان، حيث حرصت البنوك - على سبيل المثال - على توجيه من مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) منذ بداية التسعينيات على اتباع سياسات تخصيص احتياطات كافية لمواجهة الظروف والأحداث المالية والتقلبات الاقتصادية الطارئة، الأمر الذي مكنها من تجنب آثار سلبيات الركود الاقتصادي العالمي والأزمات المالية المتعاقبة التي حلت بالعالم بما في ذلك المحافظة على مستويات ومعدلات ملاءة مالية كافية لمواجهة احتياجات النشاط وتلبية احتياجات العملاء.

كما أسهمت مؤسسة النقد في إرساء قواعد الاستقرار المالي في القطاع المصرفي من خلال اتباعها سلسلة من الخطوات والإجراءات التي حققت هذا المطلب، والتي من بينها - على سبيل المثال لا الحصر - إصدار عدد من اللوائح والتعليمات الداخلية للمؤسسات المالية التي تشرف عليها في مجالات الإشراف والرقابة، إضافة إلى تحديد المعايير الخاصة بكفاية رأس المال المعتمدة من لجنة (بازل) الدولية التي تعتمد على احتساب أوزان المخاطر، وكذلك إصدار القواعد الخاصة بالتدقيق الداخلي والخارجي، والقواعد الخاصة بلجان المراجعة، وبمكافحة عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما حرصت المؤسسة بهدف تعزيز متانة القطاع المصرفي والمالي في المملكة، إلى إصدار لوائح الحوكمة، ومتطلبات الرقابة الداخلية وتوجيه المصارف لتطبيق المعايير المحاسبية الدولية، واستمرت المؤسسة في متابعة ما يستجد من أنظمة رقابية على مستوى العالم وتوجيه البنوك إلى اتباعها بهدف رفع قدراتها الإدارية بشكل عام وقدرات العاملين لديها بشكل خاص في مجال التعامل مع المخاطر المالية، بما في ذلك حسن إدارتها.

جهود المصارف المحلية المرتبطة بإدارة المخاطر المالية وإشراف مؤسسة النقد من كثب على المصارف وتأكدها من التزامها بتطبيق معايير الرقابة الداخلية على عملياتها المالية الداخلية وتعاملاتها الخارجية، حقق للمصارف تقدماً ملحوظاً على مستوى العالم في قدرتها على إدارة المخاطر المالية الداخلية والخارجية، ما مكنها من إحراز نتائج جيدة في اختبارات التحمل، الأمر الذي ساعد المصارف على التخفيف من حدة تأثير المخاطر المالية وغير المالية على أدائها المالي في أوقات الأزمات. كما أن حسن إدارة المصارف للمخاطر المالية وغير المالية، مكنها من الاستمرار في حماية مصالح المودعين والعملاء، إلى جانب ضمان سلامة ومتانة النظام المصرفي.

خلاصة القول: إن التزام المصارف المحلية بتطبيق معايير الرقابة الداخلية على عملياتها المالية، ومواكبة مؤسسة النقد التطورات العالمية في مجال الرقابة المالية ونقل أفضل الممارسات إلى القطاع المصرفي المحلي، مكن المصارف السعودية من التعامل مع المخاطر المالية وغير المالية بنجاعة، ما حقق للمصارف مراكز مالية قوية، مكنتها من تلبية احتياجات العملاء والمحافظة على مصالحهم المالية تحت أصعب الظروف والأزمات المالية التي حلت بالاقتصاد العالمي وبالأنظمة المالية والمصرفية الدولية المختلفة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.