.
.
.
.

التفكير ضمن السياق يا وزارة العمل

عبد الوهاب سعيد أبو داهش

نشر في: آخر تحديث:
عندما تسنم المغفور له - بإذن الله - الدكتور غازي القصيبي وزارة العمل بدأ بحملة قوية ضد الاستقدام. وبدأ في التشديد على منح التأشيرات لدرجة ألا تصدر تأشيرة استقدام إلا من مكتبه. وقد كتبت في حينه مقالا عن أن مثل تلك السياسات تأتي في الوقت الذي بدأت فيه الحكومة بالإنفاق الاستثماري الكبير على البنية التحتية والتعليم والصحة بعد سنة 2003 مع ارتفاع أسعار النفط وانحسار القلاقل السياسية، مما يهدد النمو الاقتصادي وقدرة القطاع الخاص على تنفيذ المشاريع الحكومية.

ولم يمر وقت طويل حتى وجدت الحكومة السعودية ومعها المقاولون السعوديون صعوبة كبيرة في تنفيذ تلك المشاريع الضخمة، مما حدا بخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله – عندما كان وليا للعهد - السماح للشركات العالمية بتنفيذ مشاريع محددة مع السماح لها بإحضار عمالتها التي ترغب مع ضرورة عودة تلك العمالة بعد انتهاء المشروع. وبعد فوات الأوان، شعر وزير العمل القصيبي بفداحة القرار الذي اتخذه، وبدأ بتخفيف القيود شيئا فشيئا. خلال هذه المرحلة، ومع تعاظم الإنفاق الحكومي في السنوات التالية على البنية التحتية والتعليم والصحة بدأ العديد من شركات المقاولات الصغيرة والمتوسطة في التشكل لأخذ مشاريع صغيرة في بناء مدارس أو جامعات أو حفريات أو مقاولات بالباطن، خصوصا بعد تعثر الشركات الأجنبية وفشلها في بعض المشاريع.

وما زال الوضع مستمرا إلى الآن بعد دخول العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع المقاولات والصيانة، مما يجعل إضافة سياسات وأعباء إضافية عليها مدعاة لتضررها، وبالتالي المزيد من التعثر والتأخير.

هذا المشهد التنموي يجب ألا يغفل من سياسات وزارة العمل الحالية. فمنذ قدوم وزير العمل الحالي المهندس عادل فقيه وهو يقدم برامج عملية وقابلة للتطبيق مركزا على مسألة توطين الوظائف وخفض معدلات البطالة، وليس الوافدة والتأشيرات. وهو الأمر الذي حقق نجاحا جيدا أشدنا به من قبل. ونريد لهذه البرامج مزيدا من النجاحات في التركيز عليها حتى الوصول إلى مرحلة مقبولة من السعودة في معظم القطاعات، ومن ثم الالتفات إلى العمالة الوافدة.

إن الالتفات إلى العمالة الوافدة يتطلب أيضا تقديم برامج واضحة ومجدولة زمنيا كما هو الحال في برنامجي ''نطاقات'' و''حافز''. نحن ندرك أن برنامج نطاقات يشتمل على مرونة التنقل للعمالة الوافدة داخل المنشآت السعودية ويشمل أيضا تقليص الاستقدام على المنشآت حسب النطاق، إلا أن ذلك لم يختبر بشكل جدي وقوي حتى الآن. الأمر الذي يتطلب التركيز على هذا البرنامج حتى يؤتي أكله. فمسألة تطبيق رسوم الـ200 ريال التي أعلنت أخيرا ستؤدي الى مزيد من الإرباك للقطاع الخاص في كل النطاقات.

فالقطاعات التي توظف أكثر من 50 % من السعوديين هي قطاعات في معظمها تعتمد على الكفاءات والعمالة الماهرة وتدفع أجورا منافسة، وبالتالي نجحت في استقطاب المؤهلين من المواطنين وغير المواطنين. وهي قد تكون نفس القطاعات التي تقع في النطاق الأخضر والتي قد لا تستفيد الكثير من انتقال العمالة الوافدة من نطاقي الأحمر والأصفر إليها مما يجعل عملية انتقال العامل الوافد من شركات النطاق الأحمر محدودة. وبإضافة مزيد من التكاليف بفرض 2400 ريال سنويا لكل عامل على شركات النطاق الأحمر والأصفر، فإن الاختناق يزداد وبالتالي احتمالية خروج معظمها من المنافسة أمر وارد بسبب تزايد التكاليف في فترة وجيزة وقصيرة، مما لا يسمح لها بالتأقلم مع ارتفاع التكاليف وبالتالي خروجها من السوق.

لقد طرحت وزارة العمل الكثير من المبادرات في صورة رفع الحد الأدنى للأجور، والقضاء على التستر، وفتح حسابات للعاملين غير السعوديين في البنوك المحلية مع إجبار شركات القطاع الخاص على الإيداع المباشر لمرتباتهم، وفرض إجازة يوم الخميس. وهي مبادرات مهمة للغاية في تنظيم العملية الإدارية والمالية لمعظم الشركات، وفي الوقت نفسه تنطوي على تكاليف غير مباشرة مما يهيئ القطاع الخاص في تقبل السياسات المستقبلية الأخرى.

إننا نأمل أن تعمل السياسات المستقبلية على الحد من تدفق العمالة الوافدة بزيادة تكاليفها، وتشديد الاستقدام لقطاعات معينة ومحددة، خصوصا تلك التي لم تتجاوب مع سياسات التوطين سابقة الذكر. إن عملية حل البطالة والتبادلية والإحلال عملية شاقة وتحتاج إلى زمن أطول لن يكون لوزير العمل إنجازها في الحقبة الوزارية المقررة بأربع سنوات، مما يتطلب تضافر الجهود في دعم سياسات وزارة العمل الحالية على أن تتسم بالتدرج المعقول ضمن السياق التنموي حتى يتحقق النجاح الذي نصبو إليه جميعا.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.