.
.
.
.

بورصة السلع وبيع السلم

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:
يعرف غالبية الناس بورصة أو سوق الأسهم. أصل فكرة سوق الأسهم تطبق على السلع، حيث تتاح الفرصة للمتاجرة في السلع الأساسية والمشتقات. وهذه السلع قد تكون أطعمة كالقمح والسكر والقهوة أو مصدر طاقة كالنفط أو معادن نفيسة كالذهب أو معادن للصناعة كالنحاس.

وتعمل العقود على أساس سعر فوري أو سعر مستقبلي. وقد تتعقد العمليات لتدخل أسعار الفائدة وعمليات مضاربة مثلاً.

وأساس الممارسة في هذه البورصات في العادة المتاجرة في عقود مستقبلية بغرض توقع هامش ربح. بمعنى أن المشتري يتوقع أن يرتفع لاحقًا سعر السلعة التي اشتراها، مما يعني وجود فرصة الحصول على ربح بسبب الفاصل الزمني، وليس بسبب مهارة المماكسة أو نحو ذلك، مما يحقق ربحًا آنيًّا، ولا يتطلب الشراء دفع القيمة بالضرورة كاملاً.

مثال: مزارع قمح، يبيع إنتاجه المتوقع في موسم الحصاد بسعر متفق عليه من الآن. ثم يجيء مصنع لمنتجات تقوم على القمح فيشتري من المشتري من المزارع. ضمن المزارع والمصنع السعر. والوسيط حصل على جعل أو ربح. طبعًا كل ذلك لن يتحقق لو حصلت جائحة لإنتاج المزارع.

أما الهدف العام فيمكن تلخيصه في الرغبة في شفافية تداول السلع، وفقًا للعرض والطلب ومحاربة ممارسات من قبيل الاحتكار وإخفاء المعلومات.

هذه الممارسات ليست جديدة في أصلها على البشر. التعامل على أساس زمني موجود من آلاف السنين.

فالنبي- صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة، وجدهم يُسْلمُون في الثمار السنة والسنتين، فقال- صلى الله عليه وسلم: من أَسْلَم في كيل فليُسْلِم في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم،

والسلم يعني بيع موصوف محدد أو معلوم الوزن أو الكيل أو الصفة إلى أجل معلوم.

والأصل في البيوع التقابض، قبض البائع الثمن وقبض المشتري السلعة. لكن السلم على خلاف هذا الأصل، حيث السلعة غير موجودة وقت التعاقد. وأجيز هذا البيع استثناء, للحاجة إليه. فمثلا قد يحتاج المنتج أو المزارع إلى مال ينفقه على عمليات الإنتاج أو الزراعة. ويشترط تسليم النقد حتى لا تكون العملية بيع دين بدين، وهو منهي عنه شرعًا. والكلام له تفاصيل ليس موضعها هذا المقال.

وحيث إن بورصات السلع تقوم في العادة والغالب على عقود آجلة، فإن السؤال عن شرعية معاملاتها يتوجه. ولا ينوي الكاتب أن يعطي فتاوى في هذا الموضوع، بقدر ما يثير نقاطًا مطلوب فهمها، في إطار فهم عمل بورصة السلع المتفق مع أحكام الشريعة.

هل يمكن تطبيق عقود الآجلة والمستقبليات إذا ما كانت السلع طيبة مباحة, وكانت العقود التي تمثلها أو الأسهم المتداولة تمثل شركات مشروعة، على أساس عقد السلم الجائز شرعاً؟

هناك أوجه تشابه وأوجه خلاف بين عقد السلم والعقود الآجلة التي تمارس في البورصات.

أوجه التشابه يتركز في التعاقد على سلعة موصوفة وصفًا مضبوطًا إلى أجل معلوم.

أما أهم أوجه الخلاف فأراها فيما يلي:

إمكان بيع المعقود عليه قبل قبضه. وهذا يجر إلى نقاش عن الحكم الشرعي لبيع العقود قبل قبضها.

إمكان دفع بعض قيمة المعقود عليه. وهذا يجر إلى نقاش عن بيع الدين بالدين.

ويبدو لي أن الفقهاء يرون إباحة العقود التي تتم على أساس وصف السلع وصفًا منضبطًا والسعر محدد، بما يحقق الشروط المطلوبة في بيع السلم. وأما تأخير الاتفاق على السعر إلى أجل فحسب علمي أن الأكثرية تمنعه.

ويرى الفقهاء أن العقود القائمة على التأجيل غير جائزة شرعًا؛ لأنها تقوم على أساس بيع ما لا يملك. ويرجع الأمر في كثير منه إلى طبيعة وحقيقة القبض المعتبر شرعًا. وقد كتب الكثير عن تحايل مصارف في هذا، والله أعلم.

نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.