التشغيل الوهمي لـ نطاقات خلل منهجي أم أخلاقي؟

صالح الشهوان

نشر في: آخر تحديث:
ولماذا المواربة .. إنهما الاثنان معاً .. لكن لنبدأ الحكاية من أولها .. فمعلوم أن وزارة العمل وزارة تتقاطع معها علاقات الجهات الحكومية الأخرى والقطاع الخاص والمواطنين والوافدين في مسألة القوى العاملة، ولذلك فإنها في كل مرة تتخذ قراراً أو تعمد إلى إجراء تثير حولها نقاشاً مستفيضاً، حجم القناعة في وجاهة القرار أو الإجراء ليس بالكبير مما يدلل على أن هناك خللاً ما في منهجية اتخاذ القرارات أو الإجراءات، خصوصاً ذات العلاقة بسوق العمل والتوظيف.

فمن حيص بيص السعودة إلى شروط حل معضلة الاستقدام وجهاتها المحلية والخارجية، ومقترح علاجها سواء من خلال الشركات المزمع توليها مهمة استقدام وتشغيل العمالة المنزلية أو المراوحة معها بالأسلوب التقليدي السابق، إلى ارتباك آلية تطبيق نظامي "نطاقات" و"حافز" وكذلك مشكلات حقوق العامل والكفلاء التي ما زال يديرها ويحكم فيها الاجتهاد رغم وجود نظام يُفترض أن تتولاه محكمة خاصة بهذا الشأن ثم القرار الأخير الفوري المفاجئ لتطبيق القرار الخاص بالرسوم على العمالة بواقع (200) ريال للفرد.

هذه وغيرها لا يمكن اعتبار ما حدث ويحدث حولها من ردود أفعال إلا على أنه إشارة إلى أن المنهجية التي تتبعها الوزارة، في معظمها يتم طبخها بمعزل عن أطرافها الفاعلة المؤثرة والمتأثرة؛ بدليل أن ما يُطرح من انتقادات يصدر عن ذوي الاختصاص في الجهات الحكومية وأهل القطاع الخاص والمختصين ومن المواطنين وكلها تبين مثالب وعيوباً وتداعيات سلبية ما كان لها أن تتضح لو كانت الوزارة تعتمد منهجية موضوعية واقعية تستند - مثلاً - إلى ورش عمل نوعية تستقطب لها المختصين من القطاعين العام والخاص والغرف التجارية ومجلسها والباحثين والدارسين من جامعاتنا في تنمية القوى البشرية والاقتصاد والإدارة وألا تعتبر استشارتها في عقد لقاء عابر شكلي كافية لبلورة قرار وإجراء سليمين فمثل هذه الورش ستشكل بكل تأكيد حاضناً صحياً لعصف ذهني لا تأخذه الانطباعات والميول الذاتية بعيداً عن الواقع وإنما إلى ما هو عملي معبر عن الواقع فعلاً، وبالتالي لن تكون القرارات أو الإجراءات تحت تأثير إغراء فكرة بعينها ولن تكون زاوية النظر إليها هي كل الزوايا ولن تكتشف الوزارة بعدئذ العطب فتلجأ للترقيع الذي نتيجته خسائر مركبة في الهدر للوقت والاقتصاد الوطني وحقوق الأفراد مالياً ومعنوياً .. ولا عزاء للمتضررين!

أقول هذا وقد نشرت هذه الجريدة "الاقتصادية" على صدر صفحتها الأولى موضوعاً بتاريخ الثلاثاء 27 تشرين الثاني (نوفمبر) عن اكتشاف وزارة العمل تشغيلاً وهمياً لنظام "نطاقات" بلغ (47) ألف موظف (حكومي!!) قامت به شركات (وطنية!!) .. إنه اكتشاف لا يمكن إعفاء مسؤولية وزارة العمل منه من الجانب النظامي، خصوصاً أن وزير العمل هو رئيس مجلس إدارة مؤسسة التأمينات، فكيف لم يحترز نظام "نطاقات" لنفسه تحاشياً للاختراق بالربط بين بيانات وزارة العمل والتأمينات لكيلا تفاجأ وزارة العمل بأن نطاقات "غربال" بثقوب كبيرة تسلل منها (47) ألف موظف (حكومي!!) لاحتلاله وهمياً؟!

نعم ثمة عطب واضح في نظام "نطاقا"، لا يشفع للوزارة أنها اكتشفت التسلل إليه بقدر ما يعيدنا إلى ما سبق قوله عن خلل المنهجية التي تتبعها الوزارة ما يستدعي اعتمادها حيثيات جديدة تستند إليها في بلورة القرارات والإجراءات مثل ورش العمل التي سبقت الإشارة إليها مع ترتيب الوزارة لبيتها الداخلي، كما أن هذا الاكتشاف يشير - في الوقت نفسه – إلى خلل آخر مؤسف حقاً على المستوى الأخلاقي، فحين تتجرأ شركات (وطنية!!) ويتجرأ معها (47) ألف موظف (حكومي!!) على التواطؤ في التحايل للعب هذا الدور المشين فذاك جرس إنذار خطير عن أزمة أخلاقية اجتماعية، فهذا الحجم والنوع من التواطؤ مرعب إلى درجة تتطلب، ليس فقط الاستنجاد بهيئة مكافحة الفساد، بتعليقها على مشجبها (المثقل!!) كحالنا في كل مرة تفوح فيها رائحة فساد، بل هبّة من مراكز البحث الأكاديمية والخاصة لدراسة أسباب هذه الظاهرة السلوكية الخطيرة للمتورطين أفراداً ومؤسسات لمعرفة الدوافع النفسية والملابسات الخفية التي جعلتهم يتجرأون على هذا الافتراء على الوطن وعلى أنفسهم أيضا!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.