.
.
.
.

الوصول إلى الحرية المالية

عمر الجريفاني

نشر في: آخر تحديث:
مثلنا الشعبي القديم يقول: ''مد رجليك على قدر لحافك'' ويعنون به بشكل عام الحث على حسن التصرف، وبشكل خاص أهمية التصرف والعيش بقدر الإمكانات المتاحة لعوامل واضحة بارزة، والسبب الذي دعا لاختيار المثل إقبالنا على سنة ميلادية جديدة، تحتاج أن نسلط فيها الضوء على أهمية التخطيط لحياتنا من الجانب المالي، وبشكل صحيح، حتى لا نقع في المشاكل، فتخرج أرجلنا من تحت اللحفان طويلة لا يسترها ساتر.

نلاحظ أن نسباً كثيرة جداً من المشاكل الزوجية تصل إلى الطلاق نتيجة المشاكل المالية بين الزوجين، وفي المقابل، تجد الكثير من أسباب العنوسة وتأخر الزواج لدى الشباب هي العقبات المالية أيضاً، هذا على المستوى الاجتماعي، أما التجاري، فالكثير من الشركات تنهار بسبب سوء الإدارة المالية، بل قد تنهار دول كاملة للسبب نفسه.

هناك أخطاء يقع فيها الكثير، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فكثير من الموظفين لو سألتهم بعد فترة من الوظيفة - على سبيل المثال بعد خمس أو عشر سنوات - ماذا تملك؟ فسيأتيك الجواب فاجعاً: لا شيء!، وإنما عليَّ قسط سيارة، وقرض زواج، ومبلغ كذا للفيزا، بمعنى آخر، أنه عمل في وظيفة لمدة خمس أو عشر سنوات حتى يُكوِّن رأس دين وليس رأس مال يربط به حياته كلها ويعيش في ضنك، لماذا؟ أكيد لأنه مد رجليه أكثر من لحافه.

يقول المليونير وارن بافيت -Warren Buffet- وهو من أغنى أغنياء العالم حول بعض الطرق والسبل للوصول إلى الحرية المالية فيما يخص الدخل: ''لا تعتمد على مصدر دخل واحد قم بالاستثمار، وجِد لنفسك دخلاً ثانياً''.

ويقصد بوفيت هنا أن الاعتماد على الراتب وحده قد لا يكون كافياً لتغطية احتياجاتك، وحتى تغطي احتياجاتك أوجد مصدراً ثانياً للدخل من خلال الاستثمار، ولا يشترط الاستثمار أن تدفع مبلغاً من المال وتضعه في سوق الأسهم على سبيل المثال، ولكن يمكنك أن تستثمر وقتك في عمل مفيد يعود عليك بدخل معين، والأمثلة كثيرة ولا سيما في هذه الأيام، ونراها ماثلة في المشاريع الصغيرة التي تُنشأ من المنزل مثل: عمل الحلويات، والطبخ، والمشغولات اليدوية... إلخ، من المشاريع التي تفتح لك باب رزق جديداً ومصدر دخل ثانياً، أما بطاقات الفيزا والقروض فهي ليست مصدر دخل ثانياً، وإنما مصدر هلاك.

النصيحة الثانية التي قالها بافيت فيما يخص عادات الشراء هي: ''عندما تقوم بشراء شي لست بالفعل محتاجاً له، فقريبا ما ستقوم ببيع شيء أنت محتاج إليه، ولتقريب الصورة على سبيل المثال، هناك بعض النساء والشابات يرغبن في شراء حقيبة يدوية أو حذاء من مصمم معين ذي علامة تجارية معروفة، ونحن نعرف أسعار هذه المنتجات، فحقيبة اليد لا تقل عن أربعة آلاف ريال، بينما تجد أن راتب هذه الموظفة كله خمسة آلاف ريال، وهي مستعدة لشراء الحقيبة حتى لو أنفقت عليها 80 في المائة من دخلها، والأسوأ منها من تقوم بشراء هذه الحقيبة عن طريق الفيزا، وبالطبع فإن قيمة هذه الحقيبة بعد خروجها من المحل تساوي صفراً تقريباً، ولو احتاجت الموظفة مبلغاً معيناً لظرف طارئ، فلن تستطيع بيعها، وإنما ستبيع شيئاً مهماً تحتاج إليه فتلجأ حينذاك إلى حليها، وهذا ما نسميه: سوء إدارة مالية.

أما النصيحة الثالثة التي قالها بافيت فيما يخص مصطلح التوفير، يقول: ''لا توفر ما يتبقى من دخلك، ولكن اصرف ما يتبقى من توفيرك''، بمعنى أنه يجب أن يكون لك نسبة معينة تقتطعها من دخلك كل شهر، فيوفر هذا المبلغ ويصرف الباقي، فلو كان دخلك عشرة آلاف ريال شهرياً، وهدفك أن توفر 30 في المائة منه، فمعنى ذلك أنك أول ما تحصل على هذا الدخل تقتطع منه ثلاثة آلاف ريال، وتعيش بالباقي، وليس أنك تصرف وترى كم بقي معك إلى آخر الشهر لتوفره، وأعتقد أن أقل مبلغ يجب أن توفره من دخلك لا يقل عن 10 في المائة، ومن ليس لديه أي ارتباطات، فإن أقل ما يمكن أن يوفره هو 50 في المائة من دخله.

النصيحة الرابعة لبافيت فيما يتعلق بالمخاطرة، يقول: ''لا تضع قدميك الاثنتين لتعرف كم هو عمق النهر، بمعنى، أن كثيرا ممن دخل سوق الأسهم أيام الطفرة بين ٢٠٠٥ - ٢٠٠٦ لم يُقدِّر مستوى المخاطرة في سوقها، ولم يضع قدميه فقط، لا، بل وضع رأسه أيضا، إن أخذ قروضاً من المصارف، ووضع أمواله في هذه السوق التي لا يعرف أي شيء عن مستوى المخاطرة فيها فغرق لما فاضت هذه السوق، وخسر كل أمواله، لا بل تحمل الديون التي عليه للبنك، فهنا يجب أن نفكر ألف مرة قبل الدخول في أي مخاطرة، والتفكير في العواقب قبل الأرباح.

النصيحة الخامسة والأخيرة فيما يخص الاستثمار، يقول بافيت: ''لا تضع بيضك كله في سلَّةٍ واحدة''، فالكثير منا يضع كل ما يملكه وما لا يملكه في مشروع واحد!، هذا خطا كبير، ومغامرة لا تحمد عقباها، فلو فشل هذا المشروع، فقد ضاع البيض كله!

وفي الختام، فإنه من المهم أن نتعلم ألا تغرنا المظاهر، فليس المهم أن أركب سيارة فخمة اليوم وأنا لا أستطيع دفع ثمنها ولا أستطيع حتى صيانتها، ولكن المهم أن أستثمر مالي فيما يعود عليّ بأرباح مستمرة، وقديماً قالوا: قليل دائم خير من كثير منقطع، وألا أتظاهر بما ليس عندي، ويكون هدفي المالي رفع عدد الأصول وليس الاستهلاك، عندها فقط، سيتاح لي ولك، أن نمد رجلينا على قدر «اللحفان».

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة