استثمار مميزات المملكة يفتح فرص عمل ومصادر دخل جديدة

د. حمد بن عبدالله اللحيدان
د. حمد بن عبدالله اللحيدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
9 دقائق للقراءة

ولكل من هذه الفعاليات وغيرها مريدوها، إلا أن ذلك كله يحتاج إلى تفعيل من خلال التخطيط السليم والاستثمار المدروس والتمتع بسعة الأفق والنظرة المستقبلية المتفائلة التي تُعد لكل شيء عدته، حافزها العمل على تعدد مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على البترول كممول رئيسي وبنسبة تتجاوز (٨٥٪) للميزانية العامة للدولة، ناهيك عن فتح فرص عمل أمام الشباب الباحث عن العمل كلّ في مجال تخصصه أو هوايته، وقبل ذلك وبعده تعمير أكبر مساحة ممكنة من هذا البلد الشاسع المساحة.

إن مواردنا المائية محدودة ولكن بالعلم والبحث والتطوير نستطيع التغلب على هذه المشكلة، فليس هناك مشكلة إلا ولها حل، فقط علينا ألا نفكر بالعوائق ونقف عندها ننتظر أن تزول من تلقاء نفسها، بل يجب أن نوجد الحلول الناجعة التي تمكننا من تخطيها بخبرة وطنية وليست مستوردة ترحل عند انتهاء مدة التعاقد معها فنعود إلى المربع رقم واحد كما هو حادث في كثير من المشاريع التي يتم فيها تسليم مفتاح ثم بعد عدة سنوات يضيع المفتاح والقفل معاً!

فنحن ننعم بنعمة البترول والغاز التي حبانا الله إياها والتي توجب شكره لأن حمد الله وشكره يديمان نِعمه، وهذا يوجب أن تُزرع عائدات البترول في مشاريع استثمار يشكل كلّ منها مصدر دخل مستقبلياً، يقينا ويحمينا من الاعتماد على مصدر واحد للدخل، ولهذا فإن استغلال الموقع الاستراتيجي للمملكة بالإضافة إلى ما تملكه المملكة من مميزات أخرى سوف يفتح الباب على مصراعيه لمصادر دخل إضافية يأتي في مقدمتها السياحة الدينية، فوجود الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وخدمتهما تاج يزين المملكة، فهي مهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

ولذلك نجد حكومة المملكة بقيادة خادم الشريفين ومؤازرة ولي عهده الأمين - حفظهما الله - تبذل كل الجهود التي تيسر على الحجاج والعُمار أداء مناسكهم بكل يسر وسهولة وفي سبيل ذلك تمت توسعة كل من الحرم المكي والحرم المدني بصورة لم يسبق لها مثيل، ناهيك عن تطوير كلّ من مكة المكرمة والمدينة المنورة وتزويدهما بجميع الخدمات المساندة من مواصلات واتصالات وفنادق ومطاعم وطرق ووسائل نقل، فكل من المدينتين يتم تأهيلهما بصورة لم يسبق لها مثيل.

بقي أن نسهل عملية الحصول على تأشيرات أداء العمرة على طول العام بحيث لا يقل عدد المعتمرين عن مليون معتمر شهرياً، ودعم هذا التوجه برحلات سياحية مركبة على شكل مجموعات إلى المشاعر المقدسة والمعالم السياحية في المملكة لمن يرغب ويستطيع، ناهيك عن إيجاد معاهد متخصصة في مجالات اللغة العربية والتاريخ الإسلامي والأمور الدينية تعطي دورات مكثفة تمتد من أسبوع إلى شهر. وهذا التوجه يفتح باب الاستثمار ويفتح فرص عمل عديدة.

* موقع المملكة المتوسط يؤهلها لأن تكون نقطة تلاقٍ وانطلاق وعبورٍ لعدد كبير من المسافرين من مختلف دول العالم من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وهذا يتطلب أن نستثمر في مجال النقل الجوي سواء في الجو من حيث امتلاك عدد من الخطوط الجوية العابرة للقارات والتي تشكل كل واحدة منها ذراعاً استثمارية منافسة، أو على الأرض من حيث امتلاك عدد من المطارات الدولية المنافسة التي تستطيع اجتذاب أكبر عدد من الخطوط الجوية العالمية للانطلاق منها وإليها.

فالمملكة أقدر وأحق من غيرها في هذا المجال لما تملكه من مميزات يدعمها في ذلك وجود الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة. ولك أن تتخيل كم يفتح هذا التوجه من فرص عمل، وكم يحقق من أرباح إذا تمت إدارته بصورة مهنية بعيدة عن الاستثناء أو المجاملة.

هذا وقد وجدت دول عديدة في هذا المجال فرصة استثمارية ذهبية وخير مثال على ذلك ما تقوم به الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة وقطر وغيرها من الدول.

* موقع المملكة المثالي يؤهلها لأن تكون مركزاً صناعياً تتنافس الشركات الصناعية على الحصول على الحظوة في امتياز لها فيه. فالمملكة تقع على مفترق الطرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي مركز الثقل في الشرق الأوسط، ولهذا فإن المملكة مندوبة لجذب الاستثمارات الصناعية مثل صناعة السيارات والأجهزة والأدوات الكهربائية، ناهيك عن العمل على إنتاج وتركيب المصانع والمعامل محلياً بدلاً من جلبها على ظهر السفن ثم ركزها وتشغيلها.

نعم علينا جذب الاستثمار حتى وإن كانت شروطه مجحفة بعض الشيء على المدى القصير، ولكنه مثمر على المدى المتوسط والطويل.

* استثمار سواحلنا الطويلة وجزرنا العديدة في فعاليات استثمارية وسياحية يأتي في مقدمتها استزراع السمك الذي يتم حالياً بصورة محدودة وتفعيل صناعة صيد السمك من خلال إنشاء أسطول ضخم لصيد السمك يعمل في المياه الإقليمية وفي أعالي البحار.

إن مثل ذلك التوجه يدخل ضمن استراتيجية الأمن الغذائي، ليس هذا فحسب، بل إن تشجيع القطاع الخاص على إنشاء محطات تحلية لمياه البحر وتوليد الكهرباء أمرٌ في غاية الأهمية خصوصاً إذا تمت تحلية مياه البحر على أكثر من مرحلة بحيث يتم إنتاج مياه صالحة للزراعة الملحية، ومياه صالحة للزراعة العادية، ومياه صالحة للاستخدام الحيواني ومياه صالحة للاستخدام الآدمي، هذا كله سوف يشجع على استغلال كلّ من سواحل البحر الأحمر والخليج العربي في الزراعة وتربية الحيوانات والصناعات ذات العلاقة مثل صناعة منتجات الألبان والعصائر والدجاج اللاحم والبيض والصناعات الغذائية الأخرى.

أما الاستثمار السياحي لهذه السواحل فيمكن أن نذكر منه مواقع مهيأة للصيد وأخرى مهيأة للغوص، وثالثة مهيأة للسباحة والتزلج على الأمواج، ورابعة مخصصة لركوب البحر بواسطة قوارب ويخوت أو حتى دبابات بحرية وخامسة مخصصة للرحلات البحرية الطويلة (كروز) التي قد تمتد ليوم أو يومين أو أكثر أو قد تنطلق من السواحل الشرقية للمملكة وترسو على السواحل الغربية لها والعكس، وقد تمر هذه الرحلات بعدد من المدن والموانئ على كل من الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، ناهيك عن إنشاء عدد من المواقع السياحية الأخرى على طول كل من الساحلين مهيأة لاستقبال السياح في كل فصول السنة.

ولا شك أن مثل ذلك التوجه يحتاج تنمية الجزر المأهولة وغير المأهولة وتأهيلها بالخدمات اللازمة لتصبح مقصداً للسياح والباحثين عن التغيير والهدوء ويأتي في مقدمة الخدمات المطلوبة وسائل مواصلات بحرية راقية وخدمات فندقية متميزة وتسهيلات سياحية جذابة مثل المطاعم ووسائل الترفيه وغيرها.

إن مثل ذلك التوجه سوف يفتح فرص عمل عديدة وسوف يفتح وسائل جذب سياحية عديدة ما يشجع على السياحة الداخلية وتدوير عوائد السياحة محلياً.

* السياحة الصحراوية نوع فريد من السياحة أصبح له مستثمرون ومريدون، وبما أن المملكة تملك مناطق صحراوية كبرى مثل الربع الخالي والدهناء والنفود بالإضافة إلى عدد كبير من محميات الحياة الفطرية المنتشرة في عدد من مناطق المملكة، فإن المملكة مؤهلة لأن تستثمر في هذا المجال لجذب السياح على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

نعم إن مثل هذه السياحة تجتذب سياحا من أغنى أغنياء العالم الباحثين عن المختلف والمحبب للعزلة لبضعة أيام والاستمتاع بمنافع الشمس والصحراء. وهذا له فوائد اقتصادية وثقافية حيث يعم وينشر ثقافة الضيافة العربية والاطلاع على أصول الحياة العربية التي تمثل حياة الصحراء جزءاً رئيسياً منها، هذا مع العلم أن السياحة الصحراوية هواية رئيسية لكثير من أبناء المملكة لأنها سياحة فردية أو جماعية تتطلب كثيراً من العناء وتتضمن كثيراً من المخاطر، لذلك فإن تنظيم مثل تلك الفعاليات سوف يجتذب شريحة كبيرة من هواة السياحة الصحراوية خصوصاً إذا اشتملت على وسائل نقل مناسبة لعبور الكثبان والمناطق الصحراوية الوعرة بما في ذلك الِجمال والخيول والسيارات ذات الدفع الرباعي وحتى الهيلوكوبتر، وبناء واحات ومراكز تنزه وترفيه وتفعيل بعض أنواع الرياضة الصحراوية مثل التزلج على الرمال والتطعيس ومشاهدة النجوم والأجرام السماوية في عتمة الليل بعيداً عن التلوث الضوئي الذي تعاني منه المدن ناهيك عن اكتشاف بعض مجاهل الصحراء لمن لا يعرفها بما في ذلك الحياة الفطرية في الصحاري والمحميات.

ولعل من أبرز الأمثلة على الاستثمار في السياحة الصحراوية تجربة الإمارات العربية المتحدة الناجحة والفريدة في هذا المجال.

إن تفعيل ما تتميز به المملكة من امكانات أصبح اليوم أكثر من واجب تضطلع به عدة جهات يأتي في مقدمتها الهيئة العامة للاستثمار ورجال الأعمال والهيئة العليا للسياحة، بالإضافة إلى الجهات ذات العلاقة بالتخطيط الاستراتيجي والاقتصادي. فالمملكة بحاجة إلى تفجير طاقات شبابها واستثمار عقولهم وعضلاتهم وكل امكاناتهم فيما يعود على الوطن والمواطن بالخير واليسر والأمن والاستقرار بقيادة خادم الحرمين الشريفين ومؤازرة ولي عهده الأمين - حفظهما الله وسدد على طريق الخير خطاهما - والله المستعان..

*نقلا عن صحيفة الرياض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.