وزارة الإسكان ومدحلة السوق العقارية

عبد العزيز الغدير
عبد العزيز الغدير
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

قلة المشاريع وتعثرها وبطء تنفيذها رغم اعتماد (250) مليار ريال لبناء 500 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى المبلغ المرصود للوزارة قبل الأمر الملكي والبالغ عشرة مليارات ريال أمر متوقع، كما أن تأخير إعلان وزارة الإسكان استراتيجيتها أمر متوقع هو الآخر، ذلك أن السوق العقارية السعودية المتفردة في المنطقة والعالم حسب علمي لن تُمكن الوزارة من لعب دور المطور الإسكاني القادر على الوفاء بمتطلبات السوق الإسكانية، ومن ينكر عناصر السوق العقارية السعودية التي تشكلت أسسها منذ عقود قبل أن تتكون المشكلة الإسكانية ستدحله وتفتته كما تفتت المدحلة الصخور.

ولا شك أن الشركة الألمانية التي تُعد الاستراتيجية لن تستطيع إخراجها بالصورة النهائية القابلة للتطبيق لأنها لم ولن تستوعب عناصر قوى السوق العقارية السعودية التي تلعب فيها قوة أصحاب المصالح والنفوذ دوراً حاسماً في طبيعتها وتوجهاتها وتحركها وأسعارها إضافة لكونها أصبحت مخزن ثروة بكل ما تعنيه الكلمة لطائفة كبيرة من أصحاب المدخرات حيث أصبحت الأراضي البيضاء ملاذا آمنا لأموالهم ينميها سنويا بما يتناسب أو يفوق معدلات التضخم.

أحد كبار العاملين ولا أقول الملاك في السوق العقارية قال لي منذ سنوات إن وزارة الإسكان ستفشل في التعاطي مع القضية الإسكانية وستمر بمرحلة التجربة والخطأ رغم أن السوق والظروف لا تسمح بذلك وستدحلها السوق العقارية السعودية خصوصا بعد أن رأى توجه الوزارة للعمل كمطور عقاري للمساكن وهي لا تملك الأراضي في المدن التي تعاني المشكلة الإسكانية ولا تملك الخبرات، بل ولا تملك المعرفة العميقة بمعطيات السوق العقارية السعودية وبعدما رأى الوزارة تتجه للهيكلة الهرمية التقليدية الروتينية البيروقراطية التي لا تخدم تنفيذ أي استراتيجية بالكفاءة المطلوبة مهما كانت جودة هذه الاسراتيجية.

هناك حقائق مهمة ومن يتجاهلها لن يحل المشكلة الإسكانية أولها أن الدولة لا تملك الأراضي اللازمة للإسكان بل وحتى المشاريع الصحية والتعليمية وغيرها ما يجعلها تلجأ للشراء أو التثمين وهو ما يضاعف تكاليف المشاريع بشكل كبير جدا لا تحتمله الموازنات في كثير من الأحيان، وبكل تأكيد لا تحتمل الموازنات شراء مساحات شاسعة من الأراضي من ملاكها في المناطق الرئيسة الثلاث الرياض ومكة والشرقية، والحقيقة الثانية أن الأراض البيضاء المطورة بدرجات متفاوتة وتم تداولها ويختزن أصحاب الثروات ثرواتهم فيها تصل تقريبا لضعفين ونصف الضعف الأراضي المسكونة وهي تحيط بالمدن لمسافات طويلة جدا.

الحقيقة الثالثة أن أصحاب النفوذ والمال استطاعوا خلق القيمة لأراضيهم البعيدة عن العمران والنطاق العمراني فضلا عن القريبة بما لديهم من علاقات ونفوذ وأموال بتطويرها وإيصال الخدمات لها حتى أصبحت الأراضي البعيدة جدا بأسعار كبيرة فضلا عن القريبة والتي أصبحت أسعارها خيالية بكل ما تعنيه الكلمة والمتوقع المزيد من الارتفاع في ظل ارتفاع عائدات النفط وبالتالي مدخرات المواطنين التي لا تجد قناة استثمارية آمنة سوى القطاع العقاري.

الحقيقة الرابعة أن التخطيط العمراني للأحياء السكنية في أغلب مناطق المملكة لا يؤسس لبيئة سكنية سليمة تعزز الأبعاد الاجتماعية والثقافية والبيئة والصحية لساكنيها ومعظمها يخضع للتطوير الجزئي الفردي طويل المدة ما يجعل معظم الأحياء تختزن كما كبيرا من الأراضي البيضاء التي ترتفع قيمتها ليندفع المواطنون لما هو بعدها ما جعل مدننا تتحرك أفقيا بسرعة هائلة ومكلفة.

كل ذلك بطبيعة الحال رفع تكاليف بناء المساكن والإيجارات وجعل السكن يستحوذ على نسبة كبيرة من دخل المواطن الشهري ما جعله يعاني مشكلات معيشية وخصوصا أن أسعار المواد الغذائية في ارتفاع شبه دائم هي الأخرى وكذلك أسعار الخدمات المرتبطة بأسعار العقار.

من الواضح وبشكل جلي أنه لا حل سوى التوجه لتعزيز عناصر قوى السوق العقارية من مطورين ومستفيدين ووسطاء خصوصا من جهة التمويل والتحفيز والدعم والمساندة لتخفيض أسعار الوحدات السكنية، والتعاون مع أمانات المدن لأنسنة الأحياء ودفع ملاك أراضيها لتطويرها أو بيعها لمن يريد تطويرها.

كلي رجاء أن تفكر وزارة الإسكان جديا بمسار تعزيز عناصر السوق الإسكانية كمسار تعاط رئيس للتصدي للقضية الإسكانية ليتمكن المواطن من شراء المسكن الملائم لحجم أسرته وقدراته في مقتبل العمر ويستطيع التحول من مسكن لآخر كلما تغيرت أحواله للأفضل. ولا شك أن أنظمة التمويل العقاري الخمسة متى ما فعلت وتم تحفيز المطورين بمزايا ودعم والمواطنين بالدعم والضمانات الحكومية سنجد حلا جذريا دائما للقضية الإسكانية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.