.
.
.
.

الأجور وتوطين الوظائف

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:
توفر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مظلة الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص. وتخضع معظم مؤسسات القطاع الخاص لأنظمة التأمينات الاجتماعية، حيث بلغ حجم العمالة التي تغطيها إحدى منافع التأمينات نحو 5,4 مليون عامل عام 1432هـ. وتجاوز عدد السعوديين من بين هؤلاء مليون مشترك، من بينهم نحو 870 ألف يعملون في القطاع الخاص.

وتصدر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية العديد من البيانات المرتبطة بأنشطتها، التي من أبرزها متوسطات أجور العاملين الخاضعين للتأمينات الاجتماعية. ويشير الجدول المرفق المبني على هذه الإحصاءات إلى أن نحو 21,4 في المائة أو أكثر من مليون عامل من العاملين في المؤسسات المشتركة في التأمينات تقل رواتبهم الشهرية عن 500 ريال. ويتجاوز عدد العاملين الذين تقل رواتبهم الشهرية عن ألف ريال نصف المشتركين في التأمينات الاجتماعية.

ويمثل العاملون الذين تقل رواتبهم عن خمسة آلاف ريال في الشهر 89,3 في المائة من إجمالي العمالة المغطاة بالتأمينات. ويحصل 578 ألف شخص فقط على رواتب تتجاوز خمسة آلاف ريال يمثل السعوديون نسبة كبيرة من هؤلاء، لكن لا تتوافر نسبة محددة لمشاركتهم في هذه الفئة، وإن كان في تصوري أنها تتجاوز نصف الأشخاص في هذه الشريحة. وتدني الأجور لنسبة كبيرة من العمالة يثير حساسيات لدى كثير من الأوساط، لكن هذا الموضوع خارج إطار هذا المقال.

وتعد المؤسسات الخاضعة للتأمينات الاجتماعية الأكثر تنظيماً والأعلى أجوراً في القطاع الخاص، وهي التي من المفترض أن توفر فرص التوظيف للعمالة السعودية، لكن بيانات الأجور تثير الشكوك حول إمكانية توفير القطاع الخاص وظائف ملائمة للعمالة السعودية. وتثبت هذه البيانات تدني معدلات الأجور في هذا القطاع الخاص، ما يُصعب كثيراً من توطين معظم الوظائف التي يعتقد كثير من المسؤولين أنها الحل لمعضلة البطالة، فمستويات الأجور التي يمكن أن تقبل بها العمالة الوطنية أعلى بكثير من متوسط أجور العمالة، لهذا فمن شبه المستحيل أن تقبل العمالة السعودية هذه المستويات المتدنية من الأجور. وبلغ متوسط أجور إجمالي العمالة الخاضعة للتأمينات في المملكة 2417 ريالا في الشهر حسب البيانات التي أوردتها المؤسسة لعام 1432هـ (29 ألف ريال في العام)، وتعد هذه المعدلات متدنية إذا قورنت بقيم الناتج المحلي للفرد. وتدنى معدل أجور العاملين أكثر في القطاع الخاص حيث بلغ نحو 2209 ريالات في الشهر عام 1432هـ.

من جهة أخرى يتركز نحو 82,5 في المائة من العمالة في شرائح الأجور التي تقل عن ثلاثة آلاف ريال في الشهر، كما يتركز 89,3 في المائة من العمالة في الوظائف التي تدفع أقل من خمسة آلاف ريال في الشهر. وانخفاض الأجور هذا يفسر - إلى حد كبير - تدني معدلات التوطين في السنوات الماضية رغم الجهود المبذولة لرفعها. كما أنه يصعب كثيراً من عمليات السعودة وخفض البطالة بين العمالة السعودية في المستقبل، التي تشير بيانات مصلحة الإحصاءات إلى ارتفاعها إلى نحو 12,2 في المائة في أوساط القوى العاملة السعودية هذا العام.

وتتطلب سياسة السعودة وخفض معدلات البطالة تبني وتفعيل العديد من السياسات والبرامج، لكن تكتسب سياسات وبرامج رفع الأجور أهمية قصوى ما يتطلب التركيز عليها. ورفع معدلات الأجور ليست بالعملية السهلة الميسرة السريعة كما يتصور البعض، لكنها عملية طويلة ومضنية وستمر بمرحلة مخاض عسيرة، حيث ستفقد بعض الأطراف في العملية الإنتاجية جزءا من مكاسبها، ما سيدفعها لمقاومة سياسات رفع الأجور وبكل ما تملك من نفوذ وتأثير في صناع القرارات. وعموماً يتطلب رفع الأجور الكثير من الجهد والتضحيات من قبل المؤسسات الموظفة للعمالة ومن قبل العمالة نفسها والمجتمع ككل، كما قد يلزم بشكل رئيس إعادة النظر في سياسات التنمية وضرورة التركيز بشكل متزايد على تنمية القطاعات التي ترتفع فيها القيمة المضافة، التي تزداد فيها احتمالات توظيف العمالة السعودية.

ولزحزحة معدلات الأجور إلى أعلى في القطاع الخاص، يجب تفعيل الإجراءات والسياسات التي تشجع وتحض المؤسسات الإنتاجية على رفع نسبة الأجور من إجمالي القيمة المضافة، وقبول المؤسسات الإنتاجية، بل تعودها على نسب أرباح أقل. وتنخفض نسبة الأجور إلى القيمة المضافة في المملكة مقارنة بنسبها في الدول المتقدمة، فنسبة الأجور الواردة في بيانات التأمينات لا تتجاوز ربع القيمة المضافة في القطاع الخاص. حتى لو أضيفت المنافع إلى الأجور فلن تتجاوز نسبتها 30 في المائة من القيمة المضافة في هذا القطاع، بينما تقترب نسب الأجور من نحو 70 في المائة من القيمة المضافة في الدول المتطورة، وتتجاوزها في العديد من هذه الدول.

وتتحمل العمالة الوطنية أيضا دوراً مهماً في تحسين أجورها، حيث إن عليها رفع إنتاجيتها من خلال التعليم والتدريب والالتزام بأخلاقيات العمل. وتتحمل باقي فئات المجتمع من مستهلكين ومستثمرين مخاطر ارتفاع معدلات التضخم المدفوع بمعدلات أجور أعلى. وساعدت الأجور المنخفضة خلال السنوات الماضية على خفض تكاليف السلع والخدمات والاستثمارات في المملكة والخليج ككل، ما رفع مستويات المعيشة لكثير من الناس، لكن الحاجة إلى توظيف الأجيال القادمة تستحق التضحية ببعض الرفاهية التي تمتع بها البعض خلال عشرات السنوات الماضية.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.