سياسات الإنفاق العام في دول الخليج
إلى جانب ما تتميز به هذه الدول من خصوصيات اقتصادية واجتماعية مثل حجم السكان القليل والطبيعة الجغرافية الصحراوية التي تقيد قدراتها الزراعية، وشح المياه والمناخ القاسي، تتميز الموارد المالية التي تعتمد عليها أساساً في إنفاقها هي الأخرى وتجعلها أحسن مثال للدولة الريعية، وهي الدولة التي تتمتع بموارد طبيعية عليها طلب عالمي بسبب الحاجة الماسة إليها لاستمرار النمو العالمي. وهذه الميزة بحد ذاتها تجعل لاختيارها سياسة الإنفاق العام المناسبة، خصوصية معينة أيضاً. فعندما يكون اعتماد الدولة الأساس في مواردها على سلعة واحدة تقريباً ويتحدد حجم الطلب عليها وسعره بعناصر خارج سلطتها إلى حد كبير، يعني أنها لا تمتلك حرية كبيرة في انتهاج سياسة الإنفاق العام، خصوصاً أن مستقبل الطلب العالمي على النفط وأسعاره في الأمدين المتوسط والطويل يحيطه الكثير من الضبابية.
ولا بد من التذكير هنا بوجود مدرستين في مجال مستقبل الطلب على النفط. ترى الأولى أن النضوب الاقتصادي للنفط سيسبق النضوب المادي نتيجة إلى سعي العالم المتقدم الذي يسخّر أبحاثه وتقنياته الحديثة لإيجاد بدائل عن النفط، وأن هذه البدائل لم تعد بعيدة حتى تفرض نفسها كسلع تجارية، إلى جانب أبحاثه الهادفة إلى الترشيد في استخدام الطاقة في مجالات النقل والبناء والصناعة. كما يسعى في الوقت ذاته إلى تطوير أساليب الحفر والتنقيب التي تطيل عمر الآبار المنتجة.
وتعتبر المملكة العربية السعودية متحمسة لهذه المدرسة منذ سبيعنات القرن الماضي. لذلك، تحتل المرتبة الأولى عالمياً في تصدير النفط. وعندما تكون موارد النفط كبيرة والدولة هي المحرك الرئيس للاقتصاد، فلا بد أن تنعكس قناعتها حول مسقبل الطلب على النفط بمحاولة الاستفادة من الظروف الراهنة إلى أكبر درجة ممكنة وانتهاج سياسة إنفاقية توسعية لخلق صناعات بديلة تستطيع الاعتماد على مواردها في المستقبل.
أما المدرسة الثانية فتقول بالنضوب المادي للنفط قبل النضوب الاقتصادي إذ تتوقع أن يتزايد الطلب العالمي عليه باستمرار لأغراض متعددة، بينما موارد النفط المتاحة في انحسار. فالكثير من الدول التي كانت منتجة ومصدرة للنفط في السابق تراجعت قدراته الإنتاجية والتصديرية أو توقفت. كما أن كل التطورات التكنولوجية والحديث عن احتمال ظهور سريع لبدائل عن النفط أمور مبالغ فيها وأنه سيستمر كسلعة حيوية للحضارة العالمية المعاصرة حتى منتصف القرن الحالي على الأقل. والحديث عن مكامن جديدة للنفط وبكميات تجارية لا زال قليلاً في مقابل الطلب العالمي. وتشير النظرية الثانية إلى أن الشرق الأوسط، بخاصة المملكة العربية السعودية والعراق، سيكون مصدر آخر برميلين يتم استخراجهما من النفط في العالم. لذلك، تؤمن هذه المدرسة بضرورة ترشيد إنتاج النفط لكي يظل أطول فترة ممكنة. ولا بد من الإشارة إلى أن لكلا المدرستين حججهما وأرقامهما التي تدعم بها وجهتي نظريهما. ولا يمكن أي دولة أن تلام على المدرسة التي تؤمن بها، إذ ليس هناك ما يثبت في شكل قاطع صحة وجهة نظر إحدى المدرستين في مقابل الأخرى، كما أن الكثير من عدم التأكد يحيط بهما والمستقبل وحده كفيل بإثبات صحة إحداهما وخطأ الأخرى.
في ظل الضبابية التي تسود حجم الطلب العالمي على النفط وبالتالي سعره، وفي ظل حقيقة أن «أوبك» التي تأخذ في اعتبارها عوامل عدة قبل أن تحدد حصص إنتاج الدول الأعضاء فيها، ليس أمام دول مجلس التعاون خيار سوى استخدام مواردها من صادرات النفط لإيجاد موارد بديلة في المستقبل من خلال الاستثمار في إنشاء صناعات تستخدم النفط كمادة أولية، بشرط أن يتم الاستثمار على أسس تجارية وفنية صرفة. وهناك أمثلة عدة على نجاح صناعات من هذا النوع في دول مجلس التعاون، وفي الوقت ذاته لجم الإنفاق الاستهلاكي التبذيري والاستثمارات غير المنتجة وغير الكفوءة. وإذا نجحت دول الخليج في إيجاد صناعات من هذا النوع وحققت تنوعاً اقتصادياً، لن يضرها أي من المدرستين أثبت صحة رؤيته في المستقبل بخصوص آفاق النفط.
*نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية.