.
.
.
.

إعادة تنظيم سوق العمل ومسألة البطالة

فهد العيلي

نشر في: آخر تحديث:
رحلة طويلة وشاقة ومعارك وصراعات متعددة تخوضها وزارة العمل في سبيل إعادة تنظيم سوق العمل السعودي الذي يعيش فوضى كبيرة نتيجة أخطاء تراكمية على مدى سنوات أفرزتها بعض الخطط الفاشلة، والثقافة الاجتماعية، وسلبيات ما بعد الطفرة. والنتيجة هي هذا الزحف ''الملاييني'' من العمالة الوافدة والتي تفيض فعليا عن حاجة سوق العمل، وتأثيرها في القوة الوطنية المعطلة والمتمثلة في قرابة المليون شاب وفتاة عاطلين عن العمل وفق إحصائيات البرنامج الوطني لإعانة العاطلين عن العمل ''حافز''.

تحاول الوزارة أن تبدو متماسكة في مواجهة أزمة البطالة العاصفة وهي تحصد آثار مخرجات المؤسسات التعليمية الفاشلة من بينهم أكثر من 100 ألف خريج فقط من مخرجات ''المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني''، والبقية خريجو تخصصات نظرية، وقليل منها تطبيقية ومهنية.

وقرابة 100 ألف خريج سنوي من خريجي الثانوية العامة ليس لديهم من المهارات سوى حفظ المعلقات واستذكار دروس التاريخ وخرائط العالم.

وتخوض الوزارة حوارات مع مئات التجار الذين خرجوا علينا يهددون بالمقاطعة والتوقف عن العمل في المشاريع التي لديهم بعد أن انتظرتهم الوزارة سنوات لتحقيق أضعف الإيمان بنسبة 5 في المائة من السعودة ولم يتحقق شيئ؟ فضلا عن الجدل الاجتماعي للمعارضين والمرجفين الذين يحاولون إعاقة الوزارة عن دورها الطبيعي. والمتأمل لجهود الوزارة رغم عمرها القصير يدرك أنها وإن بدت خطواتها بطيئة إلا أنني أراها وضعت قدمها في الطريق الصحيح لإعادة ترتيب الفوضى الثقيلة التي ورثتها من خلال حزمة من البرامج التي تراهن عليها مثل ''نطاقات'' وحافز ''وبرنامج طاقات'' وكذلك محاولتها ترشيد الاستقدام، وحماية الأجور، وتنظيم ساعات العمل، وإعادة تأهيل أصحاب المؤهلات المتدنية.

هذه الجهود لن تحقق كل أهدافها طالما بقيت بوابة الاستقدام بمبرراتها وثغراتها مفتوحة

للجميع ومتحدية كل الضوابط والإجراءات التي تحاول الوزارة تطبيقها.

تحتاج وزارة العمل إلى العمل وفق منهج مشترك مع وزارتي''التجارة ''والبلدية إلى أعادة تنظيم سوق العمل وتنظيم قطاعات المحال التجارية بمختلف أنشطتها.

الواقع أثبت أننا في حاجة ودون حاجة نفتح في كل شارع عشرات المحال المتناسخة شكلا ومضمونا ونتساءل كيف يستمر هذا الوضع الفريد؟ وكيف نقبل باستمرار عشرات ''البقالات'' وصوالين ''الحلاقة'' والمغاسل ''والبوفيهات'' التي تزاحم نفسها في كل حي؟ ونحن نعلم يقينا أن كل محل منها هو بمثابة فرصة عمل لوافد قادم من خارج الحدود يعمل بأجر متواضع وبساعات

مضاعفة لا يستطيع معها الموظف السعودي أن ينافسه مهما بلغت قدرته.

كل محل لدينا هو هدر مالي يذهب ريعه لخارج الوطن بتحويلات تتجاوز 120 مليار ريال سنويا لـ 10 ملايين وافد يعمل 65 في المائة بمؤهلات متدنية لا تتجاوز معرفة القراءة والكتابة، و12 في المائة منهم أميون لا يجيدون حتى القراءة باعتراف الوزارة نفسها.

إن بقاء هذه الكيانات الصغيرة بهذا الشكل الفوضوي لن يضيف لنا اقتصاديا شيئا ولن يخلق لنا سوى المزيد من المشكلات والتوسع في الاستقدام ومضاعفة العبء الاجتماعي والوطني.

وارى أن الوقت مناسب جدا لسن تشريعات جديدة تلزم هذه الكيانات المتناثرة بالاندماج حتى نحافظ على مصالح أصحابها ونضمن فعاليتها كقيمة مضافة للناتج الاقتصادي واستثمار مواردنا البشرية.

نستطيع أن نحول آلاف ''الورش''المتناثرة الى مراكز صيانة عملاقة تعمل بكفاءة وتقدم خدمات ذات جودة وتوفر مالا يقل عن 30 في المائة من وظائفها لخريجي المعاهد المهنية، ونستطيع أن نحول آلاف ''البقالات ''المتناثرة إلى مراكز أو متاجر تسوق ضخمة تقدم خدمة متميزة وتوفر العدد الكافي من الوظائف للسعوديين برواتب معقولة وحوافز جيدة مثلما فلت ''أسواق العزيزية بندة'' التي وفرت أكثر من ثلاثة آلاف فرصة عمل للسعوديين بعد اندماجها وهي فرص لم توفرها مئات الآلاف من ''البقالات'' المنتشرة في الشوارع والحواري والأزقة الضيقة.

والأمر نفسه ينطبق على بقية القائمة من محال ''المفروشات'' والمغاسل ''والمطاعم و''مكاتب العقار''.

لقد شجعت الحكومة نفسها سياسة الاندماج لضبط جودة الأداء، وتقليل التكلفة، وزيادة فرص الأرباح، مثلما فعلت مع شركة ''الكهرباء'' وكذلك فعلت مع مكاتب الاستقدام التي كانت تملأ المدن واليوم توحدت في نحو 15 شركة كبيرة ولابد من تطبيق الفكرة على معظم الأنشطة القائمة فزمن الكيانات الصغيرة التي تحقق مصالح محدودة لأفراد محدودين لم يعد يتلاءم مع المتغيرات.

نحن في حاجة إلى كيانات اقتصادية كبيرة تقدم خدماتها بحرفية وتوفر ما نحتاج من فرص العمل وإلا سنظل ندور في الدائرة نفسها. محال جديدة تفتح وعمالة تستقدم وسعوديون عاطلون.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.