.
.
.
.

مشاريع ضخمة بلا جدوى اقتصادية

أسامة سعيد القحطاني

نشر في: آخر تحديث:
كنت في اجتماع عمل في إحدى الدول الأوروبية، وجاء نقاش خارج إطار العمل يدور حول اليونان ومشكلتها الاقتصادية، وكان من ضمن التعليقات من شخص بريطاني أنه يستغرب إنفاق اليونان على محطة قطارات مبالغ كبيرة في فخامة بنائها ونوعية المواد التي استخدموها هناك، وكيف أنه ربما لا تجد مثل هذه المحطة في بريطانيا أو غيرها من الدول التي تتقدم على اليونان بمراحل كبيرة من الناحية الاقتصادية! حيث في الدول المتقدمة لا يوضع المال إلا بقدر الحاجة وبالحد الذي تكون الخدمة به لائقة، كما أن التركيز دائما على المشاريع الإنتاجية التي تعود على البلد بالنفع وليس على الشكليات.

كثيرا ما نسمع انتقادات لاذعة لبعـض الجهات الحكومية مثل التـعليم أو بعـض الـدوائر الخـدمية كالبلديات أو الشرط أو المحاكم أو غيرها، بأن مبانيها مستأجرة، وكم أنزعج عندما يُهمَل الكثير من القضايا التي تحتاج إلى تطوير ومعالجة والتي هي من صلب عمل تلك الجهات الحكومية ويُركَّز فقط على أن مبانيها مستأجرة! والأشد إذا سمعت هذا من مسؤول عندما يريد أن يبرر التقصير الحاصل من الجهاز بأنه يسعى في تأمين مبانٍ مملوكة وليست مستأجرة!

الحقيقة أن المباني المستأجرة يمكن أن تكون ميزة بأنه يمكن من خلال المالك تعديل المبنى وصيانته بشكل أسهل وأكثر فاعلية، كما أنه متى ما أصبح المبنى غير مناسب للخدمة فإنه يمكن تغييره في أي لحظة وليس كالمباني المملوكة، ولكن هذا لا يتحقق إلا بإدارة فعالة ونشيطة. والأهم من هذا وذاك هو نوع التعليم الذي يقدم للأطفال، أو تطور الخدمة المقدمة من المحكمة أو الشرطة أو غيرها وليس مبانيها!

إذا بحثنا في عدد من الشركات العالمية التي ربما لا يخلو بلد إلا ولها وجود فيه، نجد أن مقرها الرئيسي في مبانٍ مستأجرة! كما أن الإدارة المركزية لمصرف الراجحي - على سبيل المثال - تقع في مبنى مستأجر إلى يومنا هذا، وهو من أكثر البنوك الوطنية نجاحا! فهل أوقفها هذا عن العمل؟ ومن ناحية الجدوى الاقتصادية؛ كثيرا ما يكون استئجار موقع واستثمار رؤوس الأموال أجدى من ملكيّته!

وبالنظر في بعض جامعاتنا؛ فإنك قد تجد مباني ضخمة ومداخل رخامية فاخرة، وأسقفا أسمنتية مكلفة، وكذا ما يقال في بعض المطارات، بينما إذا قارنا تلك الجامعات مع أرقى جامعات العالم من حيث القوة العلمية والإنتاجية فإننا نجد فرقا شاسعا! فبدل الرخام قد تجد الأرضيات البلاستيكية العملية والأنيقة وغير المكلفة، وربما تجد حتى الإضاءة التي لا تعمل إلا بمرور الأشخاص ثم تنطفئ للتوفير! ثم في النهاية بعد أن ننفق الكثير في تلك المباني؛ لا تلبث إلا سنوات معدودة ثم تصبح وكأنها مهجورة لسوء الصيانة والاهتمام!

دعاني للكتابة في هذا الموضوع الطرح الذي نسمعه كثيرا من بعض المتحمسين، ولكن للأسف أنهم لا يعرفون أين يضعون أيديهم ليجدوا المشكلة! نحن نحتاج إلى علاج الجوهر والمضمون ولا يهم الشكل إلا إذا كان يؤثر في المضمون! لا يهمني أن يكون سقف المطار من الأسقف الأسمنتية الباهظة الثمن أم كان كمطار كينيدي في نيويورك أو مطار هيثرو وغيرها ذات الأسقف المركبة بأناقة وبلا تكلفة باهظة طالما أن الخدمة تقدم كتلك الخدمة التي تقدم هناك! لا يهم إذا كانت المسطحات رخامية أم أسمنتية بلا بلاط؛ طالما أنها نظيفة وأنيقة! الذي يهمّ هو تقديم الخدمة اللائقة والمتحضرة.

إن بلداً ناميا استهلاكيا كوضع أغلب دول الخليج يحتاج بشكل مُلحّ إلى أن يصرف جزءا كبيرا من هذه الثروة الاستثنائية في الاستثمار الإنتـاجي الـذي يعود على البلد، ويجب تسهيل القروض الصناعية والإنتاجية وزيادة الـدعم لهذا القطاع من عدة نواحٍ حتى النواحي الاستشارية فيه، وبرأيي أن من أولى الأشياء بالإنفاق هو الاستثمار في القطاع الصناعي والإنتاجي بعد التعليم، حيث هو الضمان الوحيد لاستمرار الرخاء في بلد يعتمد كثيرا على موارد بيع الخام فقط. كما يجب إعادة هيكلة التعليم العالي والعام ليكون على بنية حديثة تواكب متطلبات العصر بكفاءة وفاعلية، وإعادة النظر في العديد من الروتينيات أو المواد والتخصصات غير الإنتاجية.

ومن أجمل الأشياء التي سيكتبها التاريخ للملك عبدالله - حفظه الله - أن استثمر في الإنسان، وأغدق بسخاء على ابتعاث الطلاب السعوديين في الخارج، إلى درجة أن كثرة أعدادهم أصبحت تزاحم أبناء تلك البلدان! فالتعليم ثروة حقيقية تعود على البلد بالنفع بإذن الله، ولكنها تحتاج إلى وقت لتظهر نتائجها، إلا أن الدور المنتظر هو في حسن استثمارها واستغلالها.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن" السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.