.
.
.
.

الفوائض المالية

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:
أنعم الله سبحانه وتعالى على هذه البلاد الطيبة المباركة بالثروة النفطية، ووهبها أحجاما هائلة وقياسية. وتقف هذه الثروة بصورة رئيسية وراء انتقال المملكة من بلد كان يكابد معظم سكانه من شدة الفقر والعوز إلى بلد تعمه الرفاهية والأمن والاستقرار. وقد مكنت إيرادات النفط التي بدأت تتدفق عند نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي من رفع رفاهية هذا الشعب الكريم والبدء في حركة تنمية تصاعدت وتيرتها مع تزايد الإيرادات النفطية.

وأدى النمو القوي في الصادرات النفطية في نهاية الستينيات من القرن الماضي إلى تزايد إيرادات الحكومة النفطية التي تشكل معظم الإيرادات الحكومية والصادرات. وساعدت السياسة المالية الحذرة آنذاك في تحقيق فوائض مالية على الرغم من قلة الإيرادات الحكومية، حيث تجاوز الفائض المالي لأول مرة حاجز البليون ريال في عام 1970م. وأدى الحظر النفطي العربي الذي قادته المملكة في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973م إلى بدء المرحلة الأولى من رفع أسعار النفط، حيث تضاعفت أربع مرات دفعةً واحدة، وقادت هذه الزيادة إلى تضاعف الإيرادات النفطية بنسب مماثلة.

وتسببت زيادة إيرادات النفط الكبيرة في صعود الفوائض المالية بقوة ووصلت إلى مستويات قياسية في تلك الفترة. وبلغ الفائض المالي أكثر من 65 بليون ريال في عام 1974م، وهو مبلغ ضخم بالأسعار الحالية، وقد يكون بالأسعار الحقيقية أكبر من الفوائض المالية الحالية. وقد استخدمت الفوائض المالية في بناء الاحتياطات الحكومية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي، التي تقوم بدورها في استثمار هذه الاحتياطات في أصول عالية السيولة والأمان. وفي نفس الوقت شجع تزايد الإيرادات النفطية على زيادة الإنفاق الحكومي بمعدلات مرتفعة. وأدى تزايد الإنفاق إلى تراجع مستويات الفوائض المالية في عامي 1976 و1977م. وقاد التعود على الإنفاق الكبير والنمو في مستوياته إلى إحداث عجوزات مالية في العامين التاليين.

وجاءت الموجة الثانية من الزيادات في أسعار النفط في عام 1979م لترفع الإيرادات النفطية بقوة وترتفع معها الفوائض المالية. وتجاوز الفائض المالي مبلغ 111 بليون ريال في عام 1981 وهي السنة التي بلغ إنتاج النفط الخام أوجه، وتجاوزت أسعار النفط الـ40 دولاراً للبرميل في ذلك الحين، وهي أسعار مرتفعة بالقيم الحالية. وفي بداية الثمانينيات اتبعت الولايات المتحدة سياسة نقدية متشددة للسيطرة على معدلات التضخم التي كانت مرتفعة، وأدت هذه السياسة إلى التسبب في تباطؤ الاقتصاد العالمي. وقاد التباطؤ الاقتصادي العالمي إلى تراجع نمو الطلب على السلع بما في ذلك النفط، مما تسبب في الضغط على أسعاره وانهيارها في منتصف الثمانينيات.

وأدى تراجع أسعار النفط ذلك الوقت إلى تراجع كبير في الإيرادات النفطية في الثمانينيات وقاد هذا التراجع إلى إحداث عجوزات كبيرة في الميزانية. وقد تم خفض الإنفاق الحكومي بعض الشيء، ولكن لم يكن بالإمكان خفضه إلى مستويات الإيرادات المتدنية في ذلك الوقت، تجنباً لحدوث انكماش اقتصادي أقوى بكثير من قدرة البلاد على تحمله. وقد سجلت عجوزات مالية حكومية لنحو 19 عاماً من فترة الـ20 عاما الممتدة من عام 1983م وحتى عام 2002م (حققت المملكة فائضاً مالياً مقداره 22 بليون ريال في عام 2000م).

وبلغ إجمالي العجوزات المالية الحكومية في تلك الفترة نحو 851 بليون ريال. وقد مُولت تلك العجوزات في البداية من احتياطات الدولة التي تراكمت في السنوات العشر السابقة، ولكن تآكل هذه الاحتياطات بعد أربع سنوات فقط قاد إلى البدء في تمويل العجوزات عن طريق إصدار سندات حكومية. وكان من حسن حظ المملكة أنها لم تلجأ إلى الاقتراض قبل الثمانينيات، ما مكنها من تمويل العجوزات المالية التي كانت كبيرة في بعض الأحيان لفترة من الزمن. وقد أدت العجوزات المستمرة لفترة طويلة إلى نمو قوي في مستويات الدين الوطني حتى تجاوز 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وبلغ نحو 650 بليون ريال في بداية الألفية.

وقاد النمو القوي في آسيا خلال العقدين الماضيين وخصوصاً في الصين إلى ارتفاع الطلب على النفط وألغي تأثير سياسات خفض استهلاك دول منظمة التعاون والتنمية (الدول المتقدمة) للنفط. وجاءت منذ بداية الألفية الثالثة الموجة الثالثة من ارتفاع أسعار النفط، ما ساعد على رفع إيرادات المملكة النفطية وعودة الفوائض المالية. وأنقذت زيادة الإيرادات النفطية المملكة من المعضلات المالية التي كانت تلوح في الأفق من جراء تجاوز حجم الدين الوطني الحدود الآمنة عند بداية الألفية. وقادت الفوائض المالية الكبيرة في السنوات العشر الماضية إلى تحسن كبير في موقف المملكة المالي. وقد بلغ إجمالي الفوائض المالية في السنوات العشر الماضية (بما في ذلك تقديرات لعام 2012م) نحو تريليوني ريال. وقد ذهبت هذه الفوائض لبناء احتياطات الدولة المالية ولتسديد الدين الوطني على الرغم من أنه بالعملة المحلية.

وتشير بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي إلى أن إجمالي ودائع الحكومة لدى المؤسسة وصل إلى 1515 بليون ريال في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2012م، وهذا يعني أن الودائع الحكومية ارتفعت لدى مؤسسة النقد العربي السعودي بنحو 1450 بليون ريال خلال العشر سنوات المنتهية بعام 2012م. وبناءً على بيانات الفائض المحلي خلال السنوات العشر الماضية والتغير في حجم الودائع الحكومية خلال نفس الفترة فيبدو أن الحكومة سددت نحو 550 بليون ريال من دينها المحلي خلال العشر سنوات الماضية. وبهذا يتوقع أن يصل حجم الدين المحلي لنحو 100 بليون ريال مع نهاية عام 2012م. ويعتبر مركز الحكومة المالي الحالي متميزاً ويضعها في قائمة أفضل دول العالم من ناحية الملاءة المالية. فهي تمتلك احتياطات بأكثر من تريليون ونصف تريليون ريال، كما أن نسبة الدين الحكومي منخفضة جداً وتمثل أقل من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وإضافة إلى ذلك لا تكلف خدمة الدين الوطني إلا جزءًا يسيرًا من إجمالي إيرادات الحكومة الحالية.

وكانت الحكومة في عام 1981م تقف في مركز مالي مشابه للوضع المتميز لمركزها في الوقت الحالي، وقد تراجع مستوى المركز المالي بعد ذلك بسبب الارتفاع الكبير في الإنفاق الذي جرى التعود عليه أيام الطفرات الاقتصادية، وبسبب الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية ومحدودية الإيرادات غير النفطية. فهل ستحدث دورة جديدة لأسعار النفط بحيث تنخفض مجددًا أو هل ستتراجع كمياته المصدرة وتعود العجوزات المالية مجدداً؟ وهل سنتصرف بنفس الطريقة السابقة أم سنستفيد من التجارب السابقة؟ وتشير تطورات الإنفاق في السنوات الأخيرة أننا نتصرف تقريباً بنفس الطريقة السابقة، حيث قادت آخر موجة من ارتفاع إيرادات النفط إلى رفع كبير للإنفاق الحكومي ووصوله إلى مستويات ضخمة وقياسية. ومعدلات النمو الكبيرة في الإنفاق تثير المخاوف على عدم القدرة على ضبط النمو في الصرف، ما يهدد بعودة سريعة للعجوزات المالية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك ضغوطا قوية من الرأي العام وكثيرا من الإدارات الحكومية برفع الإنفاق، التي يجد المسؤولون صعوبة كبيرة في كبحها. ويمكن التجاوب مع المطالب الأكثر إلحاحاً ورفع مستويات الإنفاق ولكن ينبغي السيطرة على معدلات النمو القوية وجعلها أقل حدةً مما جرى في السنوات القليلة الماضية.

إن علينا أخذ العبرة مما جرى في الأيام الخوالي وألا ننجرف بسرعة نحو الزيادات الكبيرة في الإنفاق عند الطفرات النفطية وتجنب استنزاف الاحتياطات الحكومية في حالة تراجع إيرادات النفط - لا سمح الله، كما ينبغي توخي الحذر الشديد من الاستدانة بمعدلات غير آمنة. فأسعار وأسواق النفط تحيط بها مخاطر كثيرة، كما أن أحجام الصادرات النفطية قد تتراجع نتيجة عوامل متعددة. ولا يوجد أي ضمانات على أن أسعار النفط ستظل مرتفعة للأبد، وقد تتراجع الأسعار في أي وقت بسبب عوامل العرض والطلب. وتراجع الأسعار إلى ما دون الـ80 دولاراً للبرميل الذي يجب ألا نستبعده، سيتسبب في حدوث عجوزات مالية في الوقت الحالي. من ناحيةً أخرى، فإن ارتفاع الدخول النفطية ولد ضغوطاً قوية لزيادة الإنفاق، وقد تسارعت وتيرة الإنفاق في السنوات الأخيرة كما حدث في السبعينات، ما يتطلب توفير المزيد من الموارد المالية في الأعوام المقبلة. وسيتطلب الارتفاع السريع في النفقات بقاء أسعار النفط فوق مستويات مرتفعة تتجاوز 100 دولار بعد عدة سنوات. من ناحيةٍ أخرى سيتسبب ارتفاع الاستهلاك المحلي من المنتجات النفطية في الضغط على الصادرات النفطية، فارتفاع استهلاك المنتجات النفطية بنسبة 5 في المائة سنوياً سيضاعف الاستهلاك المحلي خلال 14 عاماً، ما سيخفض الصادرات بنحو الثلث تقريباً ما لم يتم زيادة الإنتاج المحلي بما لا يقل عن الزيادة المرتقبة في الاستهلاك المحلي.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.