.
.
.
.

القفز إلى الهاوية

جيه. برادفورد ديلونج

نشر في: آخر تحديث:
ما لم يحدث أمر غير متوقع، فإن عديداً من التشريعات التي تم بموجبها خفض الضرائب على مدى اثنتي عشرة سنة ماضية ــ والتي كانت جميعها مؤقتة بوضوح ــ سينتهي سريان العمل بها في الوقت نفسه في بداية عام 2013. وهذا يعني عودة المعدلات الضريبية الأمريكية بين عشية وضحاها إلى المستويات التي كانت عليها في عصر كلينتون.

كان تنفيذ بعض هذه التخفيضات راجعاً إلى الرغبة في مكافحة ما اعتُبِر قبل أربعة أعوام انحداراً اقتصادياً مؤقتاً. ورغم أن مؤيدي هذه التخفيضات كانوا يريدونها دائمة، فإن الزعم بأنها مؤقتة سمح بالتحايل على متطلبات إجرائية في العملية التشريعية التي خلقها الديمقراطيون في محاولة عقيمة لضمان التعقل المالي.

وكانت الزيادة المباشرة في المعدلات الضريبية مجرد جزء من القصة. ففي الوقت نفسه، يبدأ العمل بالتخفيضات التلقائية للميزانية الدفاعية والإنفاق المحلي "التقديري" ــ وهو ما تم الاتفاق عليه بين الديمقراطيين والجمهوريين في صيف عام 2001.

وباقتران هذه الزيادات الضريبية والتخفيضات في الإنفاق بقانون "رعاية أوباما" (إصلاح نظام الرعاية الصحية الذي ناصره الرئيس باراك أوباما)، فإن العجز البنيوي الذي عانته ميزانية الولايات المتحدة لمدة طويلة سيختفي اعتباراً من الأول من كانون الثاني (يناير) 2013. والواقع أن المعدلات الضريبية المستعادة ستكون كافية في المستقبل المنظور لدعم المؤسسة الدفاعية الأمريكية، ونظام التأمين الاجتماعي الأمريكي المتنامي، ومقدار معتدل ــ ولو أنه غير كاف ودون المستوى الأمثل ــ من الإنفاق الفيدرالي "التقديري" في مجالات أخرى. وستتخذ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة مساراً هابطاً عن مستواها الحالي الذي يبلغ 75 في المائة إلى 50 في المائة بحلول عام 2035. وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة ستبدأ في تجميع فائض أولي في الميزانية ــ الموازنة المالية ناقص مدفوعات الفائدة على الديون القائمة ــ بحلول عام 2015.

لماذا إذن لا يستقبل احتمال القفز إلى الهاوية المالية بالترحاب والحماس؟ صحيح أن الأمر سيشتمل على خفض كبير للإنفاق ــ وهو ما من شأنه أن يؤذي مقاولي الدفاع، والأطباء الذين يتولون علاج مرضى الرعاية الطبية، وجميع المستفيدين من الإنفاق الحكومي التقديري أو المتعمدين عليه ــ فضلاً عن زيادات ضريبية كبيرة، ولكن لتحقيق التوازن في الميزانية في الأمد البعيد، فإما أن ترتفع الضرائب أو ينخفض الإنفاق نسبة إلى خط أساسي ما، أو الأمرين معا.

وهناك سببان يمنعان صقور العجز من إعلان نصرهم. فأولا، ينتمي كثيرون ممَّن يطلقون على أنفسهم اسم صقور العجز إلى معسكر صقور الإنفاق في واقع الأمر: فهم يعتقدون أن التأمين الاجتماعي في الولايات المتحدة أكثر سخاءً في التعامل مع العاطلين عن العمل وذوي الإعاقة وكبار السن والمرضى، وأن السياسة الأفضل على الإطلاق تتلخص في خفض الإنفاق على مثل هذه البرامج بدلاً من زيادة الضرائب لتغطية نفقاتها. ولكنهم يخشون ألا تحظى الدعوة إلى خفض الإنفاق بالشعبية الكافية، خلافاً للمطالبة بضبط الميزانية، كما يأملون. وهم يرون أن المشكلة في الهاوية المالية هي أنها لا تخفض الإنفاق بالقدر الكافي وتزيد الضرائب أكثر من اللازم.

السبب الثاني والأكثر أهمية بالنسبة لهؤلاء الذين يعربون عن خشيتهم بشأن صحة الاقتصاد الأمريكي هو أن هذه العملية لا يصفها بشكل جيد مصطلح "الهاوية المالية". بل هي في نظرهم قنبلة تقشف تضرب اقتصاداً ما زال يعاني ارتفاع معدلات البطالة، وحيث تظل نسبة العمالة إلى السكان منخفضة إلى حد مروّع، ولا تلوح في الأفق سوى إشارات ضعيفة إلى أن الفجوة المتسعة بين الناتج الحالي والناتج المحتمل بدأت تضيق.

أخيراً، وأيضاً بعد تأخير لخمس سنوات، يتعين على وزير الخزانة الأمريكي أن يعلن أنه في حين كان مبدأ الدولار القوي مناسباً (وفي مصلحة أمريكا) أثناء طفرة الدوت كوم، فإن البلد يحتاج إلى الدولار الضعيف في أعقاب تفجير قنبلة التقشف.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.