.
.
.
.

المقلق في المالية العامة للدولة والحلول

طلعت زكي حافظ

نشر في: آخر تحديث:
رغم ضخامة الأرقام الفعلية التي كشفت عنها الميزانية العامة للدولة للعام المالي 1433/1434 (2012)، بجانبي الإيرادات والمصروفات، بواقع 1,239.5 مليار للإيرادات، وبنسبة زيادة بلغت 77 في المائة عما صدرت به الميزانية، وجانب المصروفات بواقع 853 مليار ريال، وبنسبة زيادة تجاوزت 23 في المائة عما صدرت به الميزانية، وبفائض متوقع قدره 386 مليار ريال، إلا أنه لا تزال الإيرادات المتولدة عن بيع النفط، تشكل نصيب الأسد من تركيبة إجمالي الإيرادات العامة للدولة بنحو 92 في المائة.

إن استحواذ الإيرادات المتولدة عن بيع النفط الخام للمملكة وسيطرتها على تشكيلة وتركيبة الإيرادات المالية العامة للدولة، أمر مقلق للغاية بالنسبة للقائمين على إدارة السياسة المالية في الحكومة السعودية، ولا سيما أن مصدر هذه الإيرادات يأتي بنسبة كبيرة من سلعة متقلبة الأسعار، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التنبؤ بالدقة المتناهية عن اتجاهات أسعارها، مما يشكل عبئاً ثقيلاً وتحدياً كبيراً بالنسبة لقدرة الإدارة المالية وبالذات فيما يرتبط برسم خريطة مالية مستقبلية واضحة المعالم والاتجاهات حتى لو كان ذلك على المدى القصير لإيرادات ومصروفات الدولة المستقبلية، رغم الإنتاج النفطي الكبير للمملكة، وطاقتها التصديرية الهائلة التي تعد الأكبر على مستوى العالم.

نتيجة لاعتماد الإيرادات العامة للدولة في المملكة العربية السعودية على النفط، وفي ظل تقلب الأسعار العالمية وتذبذبها بين الحين والآخر، تسبب ذلك في خلق العديد من التحديات للاقتصاد المحلي، وبالذات للمسيرة التنموية والاجتماعية في المملكة وانتظام وتيرتها، ولعلي أستشهد على ذلك خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي عندما تأثرت وتيرة التنمية الاقتصادية في المملكة، بسبب تدني أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، عندما وصلت أسعار بيع برميل النفط العالمية إلى عشرة دولارات أمريكية، نتيجة لعدة معطيات اقتصادية عالمية أدت جميعها إلى تراجع الأسعار، والتي كان من بينها على سبيل المثال لا الحصر أزمة النمور الآسيوية وكيف ألقت تلك الأزمة بظلالها على مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة. ولعلي أذكر بمثال آخر مماثل أثر في أداء الاقتصاد الوطني خلال عام 2001، عندما حدث تراجع كبير في أسعار النفط وحينها تباطأ معدل نمو الاقتصاد العالمي وخاصة في البلدان الصناعية، ما أدى إلى انخفاض الطلب على النفط وانخفاض أسعاره بنسبة 14.0 في المائة وانعكس ذلك سلباً على وضع الميزانية العامة للمملكة، التي سجلت تبعاً لذلك عجزاً بلغ نحو 27 مليار ريال.

الحكومة السعودية تنبهت منذ وقت مبكر إلى خطورة الاعتماد بشكل كبير على الإيرادات المتولدة عن بيع النفط، وتبنت تطبيق استراتيجية طويلة المدى، استهدفت من خلالها تنويع القاعدة الاقتصادية للاقتصاد الوطني بما في ذلك مصادر الدخل القومي، ولعله من المنصف جداً أن يقال إن الحكومة السعودية قد نجحت من خلال تلك الاستراتيجية إلى التحسين من مساهمة عدد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، حيث على سبيل المثال لا الحصر، تمكنت الحكومة من خلال تلك الاستراتيجية من مضاعفة نسبة مساهمة القطاع الخاص السعودي في الناتج المحلي الإجمالي التي تجاوزت نسبة 56 في المائة، كما قد تمكنت من تعزيز مساهمة الإيرادات الأخرى غير النفطية مثل إيرادات الجمارك وغيرها من الإيرادات بالناتج المحلي. ولكن وعلى الرغم من تلك الجهود المرتبطة بتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد، إلا أن الجهود الرامية إلى التقليل من الاعتماد على النفط كمصدر للمالية العامة لا تزال ضعيفة ومتواضعة ولم تثمر حتى وقتنا هذا بما يتواكب مع التطلعات والطموحات، وذلك لعدة أسباب من بينها، أن ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية إلى مستويات جيدة في المتوسط (رغم ما صاحبها من انخفاضات حادة) ما قلل من تلك الجهود وأضعف من تأثير الإيرادات غير النفطية على الميزانية العامة للدولة التي لا تزال تشكل نحو 12 في المائة من إجمالي الإيرادات.

الخروج من مأزق تأثير الإيرادات النفطية على المالية العامة للدولة يتطلب وفقما أشار إلى ذلك الدكتور محمد إبراهيم السقاف في مقال نشر له في "الاقتصادية" بعنوان: مشروع الميزانية السعودية .. الجانب الآخر من الصورة" بالعدد 7025، أن على الحكومة السعودية أن تبحث بجدية عن مصادر بديلة للإيرادات النفطية، بحيث تحدث قدراً أكبر من التنويع في هيكل الإيرادات من خلال اتساع قاعدة مصادر الإيرادات العامة للدولة، بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في تدفق الإيرادات.

ومن بين الحلول أيضاً ضرورة قيام الدولة بمراجعة شاملة للنفقات المخصصة لبرامج الدعم اللازمة بجميع أشكاله وصوره وأنواعه وتقنينها بالشكل الذي يحقق وفورات للمالية العامة للدولة ويحقق في الوقت نفسه مستوى الرفاه المعيشي الذي تنشده الدولة للفئة المستحقة لذلك.

من بين الحلول كذلك ضرورة جدولة المشاريع الحكومية التنموية الرئيسة وفق الأولويات بحيث لا يحدث زخم تلك المشاريع أي نوع من أنواع الاختناقات في التنفيذ وبالتالي في الاقتصاد، مع الأخذ في الاعتبار أهمية مراعاة أسلوب وطريقة تشييد تلك المشاريع بالشكل الذي يقلل من مصاريف الصيانة المستقبلية لها والتي عادة ما تكون باهظة وتشكل عبئا ماليا كبيرا على الميزانية العامة للدولة.

أخيراً وليس آخرا من بين الحلول ضرورة إعادة الدولة النظر في تسعير الخدمات العامة التي تقدمها للمواطنين وللمقيمين بحيث لا تحفز ولا تشجع على سوء الاستخدام والهدر الاقتصادي لتلك الموارد والخدمات، إضافة إلى ضرورة ترشيد النفقات العامة للدولة وعدم الاعتماد بشكل كبير والاستكانة إلى وجود فوائض مالية كبيرة في شكل احتياطيات يمكن اللجوء إليها وقت الحاجة، لأن تلك الفوائض لربما لا تدوم في حالة تدهور أسعار النفط العالمية ـــ لا سمح الله ـــ واستمرار السحب منها للصرف على احتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.