.
.
.
.

ميزانية نهاية الخدمة

أحمد عجب الزهراني

نشر في: آخر تحديث:
كم هو مؤلم وقاسٍ ذلك الشعور الحزين الذي يتملك الموظف المحال على التقاعد بعد خدمته الطويلة التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاما، ومصدر غبنه وحسرته هنا ليس لتركه العمل في هذه الجهة تحديدا (فهذه سنة الحياة) وإنما يعود ذلك إلى مقدار مكافأة نهاية الخدمة التي سيتحصل عليها والتي لا تتجاوز أجر الثلاثة أشهر، إنها بمثابة وردة ذابلة تم اقتطافها من سياج حديقة عامة تقع على جانب الطريق ثم اضطر المسؤول عن هذه الجهة لوضعها في يد هذا الموظف المحب والمخلص وهو يقول له (أمسك.. شكرا لجهودك وأمانتك.. وترى الهدية ليست بقيمتها)!!

مشكلتنا أننا نهتم في الغالب بمبدأ العقاب وننسى أو نتغافل تماما مبدأ الثواب، فعند بحث الوسائل الناجعة لوقف بعض الممارسات الخاطئة أو الجرائم الجنائية التي ينسب ارتكابها إلى بعض الموظفين أو المسؤولين لدى الجهات الحكومية، نهتم أكثر بكيفية محاسبتهم أو تضييق الخناق عليهم، من خلال فرض أنظمة جديدة أكثر صرامة أو تشكيل لجان للمراجعة والتدقيق أو توعية المجتمع إلى الصور المتعددة لمثل هذا المخالفات وكيفية التعاون في الإبلاغ عنها والمساهمة في القضاء عليها وهذه الإجراءات لا شك أنها مهمة ولكن الأهم منها بكثير هو أن نهتم بذلك الموظف المثالي الذي قضى ثلاثة أرباع عمره على حساب صحته مخلصا متفانيا في عمله رافضا بأخلاقه الكريمة كل العروض المباشرة وغير المباشرة التي كانت ستنقله من فئة ذوي الدخل المحدود إلى فئة (الشيوخ) أصحاب العقارات والفلل الفاخرة والسيارات الفارهة!!

لقد أبانت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (نزاهة) مشكورة بأنها تعتزم تطبيق لائحة الذمة المالية للمسؤولين الذين سيتولون المناصب القيادية والمالية قريبا، بحيث يتم الطلب من الموظف قبل مباشرته الوظيفة الإفصاح عن ممتلكاته المالية والمنقولة والأسهم والسندات ومصادر الدخل لديه، ثم يطلب منه ذلك كل ثلاث سنوات، ليقدم مع نهاية مدة خدمته إقرارا نهائيا بما في ذمته، وهي محاولة للكشف عن حقيقة مظاهر الثراء التي قد تبدو على أي موظف بين عشية وضحاها، إلا أنه في المقابل لم يلق المقترح الذي تقدم به أحد أعضاء مجلس الشورى ذلك الصدى المأمول، وهو يدعو إلى تعديل مكافأة نهاية الخدمة في لائحة الحقوق والمزايا المالية لنظام الخدمة المدنية، بحيث يصرف للموظف الذي تنتهي خدمته ما يعادل نصف أجر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى وأجر شهر عن كل سنة من السنوات التالية!!

إن رفع مقدار مكافأة نهاية الخدمة سواء لمن ذكرهم عضو المجلس أو لبقية الموظفين الذين يخضعون للائحة الوظائف التعليمية، هو أمر غاية في الأهمية، لأنه سيشجع كل موظف مبتدئ للاقتداء بكل موظف مثالي سبقه خاصة وهو يراه يكرم مع نهاية خدمته بمنحه مكافأة مالية مجزية تعتبر بالنسبة له بمثابة (الميزانية الترليونية) التي تكفل له سبل مواجهة أعباء الحياة القاسية، أما أن يراه في الأيام الأخيرة يشتكي قلة حيلته وما سيواجهه من مشاكل ومصاعب لقلة دخله بعد التقاعد، فلا مكافأة تكفي للسنة الأولى ولا راتب معاش يسد احتياجه حتى إلى منتصف الشهر، فإن الموظف الجديد قد لا ينتظر ويفكر بتدبير حاله بأية طريقة!؟

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ" السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.