.
.
.
.

متى كان السعر العادل عادلاً؟

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:
منذ أكثر من عقد من الزمان ونحن نسمع ما يسمى السعر العادل لبرميل النفط. ولكن الذي يحيرنا هو أن ''السعر العادل'' تدرَّج من أقل من 30 دولاراً للبرميل قبل عشر سنوات إلى 100 دولار، وهو السعر السائد هذه الأيام. ومضت فترة كان السعر العادل في حدود 70 إلى 80 دولاراً للبرميل. وكأنَّ السعر العادل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى الأسعار الآنية للنفط، فهو إذًا لا يحمل أي معنى على أرض الواقع. ناهيك عن أن الذين يتحدثون عن السعر العادل هم في الأغلب المنتجون.

أما المستهلكون، فحتى عندما ''سقط'' السعر إلى ما دون العشرة دولارات في نهاية التسعينيات، لم يكن ذلك بالنسبة لهم سعرا عادلاً، ولا نستبعد أنهم كانوا يتمنون لو أنه انخفض إلى أدنى مستوى من ذلك بكثير. فكلما نزل سعر النفط الخام ارتفع دخل حكومات الدول الغربية من الضرائب. حتى أن بعضاً من تلك الدول يزيد دخلها من الضرائب عما تحصل عليه الدول المنتجة من بيع حصصها من النفط. أمر غريب، أليس كذلك؟ ولكن هذا لا يضيرنا ما دام الذين يدفعون فرق القيمة هم الشعوب المستهلِكة.

وعلى الرغم من أهمية المشتقات النفطية كمصدر رئيس للطاقة، وكونها مادة ناضبة، إلا أن هناك أصواتاً ''نشازا'' تنادي بخفض الأسعار إلى مستوى يتناسب مع تدني تكلفة الإنتاج على حد زعمهم. ويظهر أن هذه الفكرة مبنية على أساس المردود على الاستثمار. أي أنك عندما تستثمر أموالك في مشروع ما، فأنت محظوظ إذا حصلت على ضعف قيمة استثمارك. وبطبيعة الحال، فلا أحد يلقي بالاً إلى مثل هذا الهراء. وما هو موقف هؤلاء عندما يكون الإنتاج من النفط الصخري، غير التقليدي، والذي تبلغ تكلفة إنتاج البرميل الواحد منه أكثر من سبعين دولاراً؟ فالأفضل أن يظل سعر البرميل يحدده العرض والطلب، بصرف النظر عن المستوى السعري الذي سوف يصل إليه، واتركوا للسوق تحديد السعر العادل. وبما أن النفط (التقليدي) مادة ناضبة وإنتاجه أصبح قريباً من الذروة، إن لم يكن قد أدركها، فمن المحتمل أن يرتفع السعر إلى مستويات قياسية، إذا لم يوفر العالم مصادر متجددة للطاقة كرافد لما تبقى من النفط.

والشاهد هنا، أننا لا نرى مبرراً يدعم فكرة ''السعر العادل'' في أي مرحلة من مراحل الإنتاج النفطي، وعلى وجه الخصوص بعدما وصل الإنتاج العالمي إلى أعلى مستوى، بينما كميات الطلب لا تزال في صعود. ولعل سائلا يتذكر أن دول الخليج العربي دائما تعلن أن لديها من فائض الإنتاج ما يمكن أن يكبح جماح ارتفاع الأسعار عن المستوى الذي هم يحددونه، وهو ما يسمى السعر العادل. ولكن ما شاهدناه خلال السنوات الماضية ينفي مقدرة أي جهة كانت على ضبط الأسعار عند مستوى معين.

فلو عدنا إلى ما قبل 15 عاماً، عندما كان السعر آنذاك أقل من 30 دولاراً للبرميل، كنا نسمع عن توافر كميات كافية عند الطلب، وهي رسالة للسوق النفطية أن لا مجال لارتفاع الأسعار والسوق مُتخمة بالنفط على حد تعبير التصريحات المتكررة. ومع ذلك ارتفعت الأسعار إلى ما فوق 120 دولاراً رغم التأكيدات بوجود ما يزيد على الحاجة من النفط. ولا يصح لنا أن نتهم المستهلك بالغباء، فلو كان في السوق فائض عن الطلب لوجد المشتري منْ يبيعه حاجته من النفط بسعر أقل، أو على الأقل لما صار هناك مجال لارتفاع الأسعار منذ أن كانت أقل من 30 دولاراً للبرميل.

ولكن الحاسة السادسة عند المستهلك تؤكد له بما لا يدع مجالاً للشك أن العرض بدأت عليه ملامح الشيخوخة، وأنه أصبح أقرب إلى الانخفاض منه إلى الصعود. ولذلك نرى أن الأسعار لم تقف عند المستوى الذي كانت عليه منذ عشر سنوات، لو كانت الأمور فعلاً طبيعية كما يظن البعض. فهل هناك من إخواننا الأفاضل، الذين يعتقدون بدوام وجود كميات هائلة من النفط، منْ يوضح لنا السر وراء استمرار صعود الأسعار دون مبرٍّرٍ منطقي؟ أما من جانبنا، فنحن نؤكد أن الأسعار لن تتراجع كما يظن البعض، محلياًّ ودولياًّ، بل إنها مرشحة لأن تستمر في الارتفاع إلى مستويات قياسية ما دام الطلب العالمي يتنامى مع مرور الوقت وسقف الإنتاج ثابت ومحدود، وإن تأرجح قليلاً صعودًا أو هبوطاً لفترة وجيزة. وليس هناك حل أمام البشرية إلا بالإسراع في تفعيل الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة. ونحن، في دول الخليج، أولى أن نكون في مقدمة المستفيدين من مشاريع الطاقة المتجددة التي لا غنى لنا عنها في المستقبل.

ولا يغرنكم الخوف من تنامي المصادر غير النفطية، فهو أجدى من اعتماد العالم كليا على نفطنا الناضب، ومن ثم يتركوننا نتمرغ على ظهر هذه الصحراء دون أي مصدر للمعيشة. وفضلاً لا أمراً، لا تُذكِّروننا بالمقولات المأثورة، سيئة السمعة، حول إمكانية الاستغناء عن النفط ومشتقاته قبل نهايته. فليس من الحصافة الركون إلى الراحة على أمل أننا نعيش عليها مترفين بفضل وجود هذه الثروة التي يدّعون أن ليس لها نهاية. نعم لها نهاية، فقد كانت دول إلى عهد قريب تُصدِّر النفط وأصبحت الآن تستورده.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.