.
.
.
.

الكاشيرة

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:
ظلت قضايا المرأة الشغل الشاغل لمحترفي التناحر والجدل المجتمعي. يرى كل فريق أنه المحافظ على المرأة، فالداعي لخروجها من بيتها يرى أنه يعطيها حقاً حرمتها منه الثقافات والبيئة الرجولية. والداعي لبقائها ضمن حدود بيتها وأسرتها يرى أنه يحميها من الذئاب البشرية التي تتربص بها خارج البيت.

للحق أقول إنني أعتقد أن الفريقين يهدفان لمصلحة المرأة. لكن لماذا الآن ولماذا بهذه الحدة والعصبية والتراشق الكلامي شديد القسوة بين فئات نعدهم مثقفي الأمة، وموجهي الفكر والعقل الجمعي. ثم لماذا لا نأخذ كل قضية على حدة ونناقشها دون التأثر بقناعات مسبقة سوى بيئتنا وديننا ومقبول مجتمعنا الذي نعرفه جميعاً.

تقف الفئة المنافحة عن حقوق المرأة والتي تطالب بـ "تحريرها" عند سؤال مهم آخر، وهو قاعدة سنها محمد بن عبد الله ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ بسؤال من استفتاه: أترضاه لأمك، أترضاه لأختك، أترضاه لابنتك؟ فكيف ترضى لبنات الناس ما لا ترضاه لأهل بيتك؟ سؤال لابد أن يضعه كل عضو في الفئة الأولى ضمن مرتكزات قراره في الدفاع عن أمر معين.

أغرب التوجهات التي لا أزال أجد صعوبة في تفسيرها هو اعتراض الفئة الثانية على عمل المرأة في بيع المنتجات النسائية. ومن أكثر التعابير وجاهة ما قاله أحدهم عندما دافع عن توظيف المرأة في هذا المجال، إذ رأى أن البائع ــــ وبحكم الخبرة والفضول ـــ ينظر إلى المرأة وهي تدخل المحل فيخمن مقاسات ملابسها الداخلية. كيف يمكن أن يرفض من يريد للمرأة الحماية أن تبتاع المرأة احتياجاتها في بيئة نسائية يمكن حتى أن نراقبها من خلال عناصر نسائية سواء من الهيئة ــــ كما ذكر الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف، أو عناصر أمن نسائية ممن تصادق على تعيينهن جهة محايدة.

أعود لأذكِّر أن مجتمعنا كان يضع على المرأة حملاً كبيراً، وكانت هي ــــ بالذات ــــ أكثر إنتاجاً من الرجل. ذلك أنها في المجتمع الزراعي كانت تعتني بالمنزل وتربية الأبناء ونظافة مكان مبيت الحيوانات. كانت تحتطب، وتصنع الطعام وتقوم بإيصاله للزوج الذي كانت مهمته الأساسية هي زراعة الأرض. فإذا لم يكن في البيت صغار في سن الرعي، كانت المرأة تقوم بهذا الدور أيضاً. وأظنها كانت تقوم بمثل هذه الأعمال في المجتمع البدوي أيضاً.

يلاحظ أن أكثر المنادين بـ "تحرير" المرأة هم من سكان المدن في الماضي، والمعلوم أن المرأة في المدينة لم تكن تتجاوز أعمالها الطبخ والغسيل والعناية بالمنزل والأطفال، وهي أعمال لا تتجاوز مدة إنجازها ربع الأعمال التي كانت تقوم بها المرأة في القرية أو في الصحراء، وتنفذ داخل المنزل. وهذا انقلاب كبير في المفاهيم و النظرة تجاه دور المرأة من الفئتين، وقد يكون مجالاً للمزيد من البحث والدراسات النفسية والاجتماعية.

أعود إلى قضية عمل المرأة والقيود والحدود التي لا بد من رسمها حتى نحافظ على وحدة المجتمع ويكون النقاش فيما بيننا علمياً وحضارياً، ومقبولاً من الناحية الشرعية. يهمني أن نؤسس للحوار بانفتاح على الفكرة التي نحاول أن نناقشها، وعندما تكون قضية البيع والشراء هي محور النقاش فلا بد أن نعود لماضينا المشرق. فقد كان الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يعمل بما يمكن تسميته مدير أعمال لتاجرة معروفة هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد. فعمل المرأة في التجارة قننته أم المؤمنين بدءاً.

وبالعودة إلى ثقافة المجتمع، وما يمارس في السعودية منذ أكثر من 80 سنة، نجد المرأة تفترش الأرض وتلتحف السماء في أسواقنا الشعبية. كانت تبيع ما تنتجه في السابق، ثم تطورت لتبيع كل احتياجات المرأة، وهي اليوم تبيع في "بسطتها" عدد لا محدود من المنتجات، فهي تاجرة بهذا المعنى.

تبيع المرأة وهي منقبة أو متحجبة وتناقش الرجل وتدافع عن السعر الذي حددته لسلعتها. تبيع المرأة وهي في سن العشرينات والثلاثينات دون أن يأتي أحد ليسألها عن جنسيتها وعمرها ويعترض على بياض بشرتها أو حجم عينيها.

تبيع المرأة اليوم دون أن يطالبها أحد بكشف حسابها البنكي ليعرف مدى حاجتها إلى العمل من عدمه. بل إنني أعرف سيدات يعملن في "البسطات"، وتملكن الملايين ــــ بدون مبالغة.

تبيع المرأة اليوم وهي تجلس على الأرض في وضع لا يحسدها عليه أحد. هذا الوضع قد يكون سبباً لإصابتها بأمراض في المفاصل أو الرئة بحكم قربها من الغبار والأتربة، لكن أحداً لم يعترض.

كل ما سبق يعلمه الجميع ويختلف عن عمل المرأة في المحاسبة، التي عربناها بلفظ "كاشيرة" بجزئيات هي أن المحاسبة لن تناقش الزبون في السعر، لأنه محدد، وستجلس بطريقة صحية أكثر، وستكون البيئة المحيطة بها أقل ضوضاء وتلوثا. فهل أنتم ضد ذلك؟

يعيدني هذا إلى النقطة التي بدأت بها، وهي النقاش بناء على المنطق والعقلانية فنحن تقبلنا عمل المرأة في "البسطة" لسبب بسيط وهو أننا تعودنا على رؤيتها على تلك الحال منذ طفولتنا. لكن هذا ليس سبباً مقنعاً لرفض أن تبيع المرأة في بيئة أفضل وتحت حماية الأنظمة، وبشكل أكثر التزاماً بضوابط الشريعة في سوق كبير يزيد عدد من يتواجدون فيه على 100 شخص على مدار الساعة.
* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.