.
.
.
.

واشنطن.. «تخدير» صندوق النقد دون عملية جراحية

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

«العالم محكوم بمؤسسات غير ديمقراطية: صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية».
خوسيه ساراماجو - شاعر وأديب برتغالي

على حكومات الصين والبرازيل والهند، وغيرها من تلك التي تستحق دورا أقوى وأكثر أهمية في صندوق النقد الدولي، أن تنتظر أكثر، كي تلوح أمامها (وأمام العالم) بوادر الإصلاحات التنظيمية والإدارية والتصويتية في ''الصندوق''. هذه القضية باتت تشكل أزمة صامتة مرة وصاخبة مرات عدة، وتتشابه (بصورة أو بأخرى) مع مجلس الأمن الدولي، في مسألة تمرير القرارات، مع فارق واحد، وهو أن صوتا واحدا في ''الصندوق'' هو الذي يتحكم بالنقض (الفيتو)، ''تصيح'' به الولايات المتحدة، بينما هناك خمسة أصوات ''تصيح'' بهذا (الفيتو) في المجلس المذكور. واحد لأمريكا طبعا. المصيبة الأكبر أن تنسحب ''معطلات'' إصلاح ''المجلس''، على ''معطلات'' إصلاح ''الصندوق''. وقد يعني هذا، أن حربا عالمية ثالثة باتت ''ضرورية'' لإتمام الإصلاح! كما يحب أولئك الغاضبون من واشنطن، أن يتخيلوا.

لعل السؤال الأكثر اعتدالا فيما يتعلق بصندوق النقد الدولي، هو ذاك الذي يُطلق على الشكل التالي ''هل إدارة الصندوق تجاوزها الزمن؟'' وهي صيغة لا علاقة لها بالمتطرفين في الإصلاح المنشود، أو المانعين له. كما أنها محقة، خصوصا أن ''الصندوق'' لم يشهد إصلاحاً أو تعديلاً تنظيمياً - إدارياً يذكر منذ تأسيسه في العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية. ظل مثل شركة عاملة ينتظر الورثة موت الأب لتطويرها، فهذا الأخير (عادة) يرى في التطوير موتا ليس للشركة فحسب، بل له شخصياً. ومع التغير المستحق للأزمنة، فإنها تتجاوز كل ثابت، وكل رافض للتغيير، دون أن ننسى، أن قوة الثابت توفر له مساحة زمنية للمقاومة. قد تطول، لكنها في كل الأحوال لا تدوم.

ومن هنا، يمكن القول دون تردد إن الزمن تجاوز إدارة ''الصندوق''، لكن هل لا تزال هذه الإدارة تملك ''الأسلحة'' لمواصلة المقاومة؟ وبصورة مباشرة، هل ستواصل الولايات المتحدة مقاومتها للتجديد الإداري والتنظيمي في ''الصندوق؟ فإذا كان الجواب بـ ''نعم''، كيف يمكن لإدارة باراك أوباما المضي قدماً في تسويق ''سياسة الإشراك'' التي ابتكرتها منذ وصولها إلى الحكم؟ إنها ''سياسة'' متميزة حقاً، لم تشهد الولايات المتحدة مثيلاً لها في تاريخها، لكنها لا تزال ''ممنوعة'' من دخول ''الصندوق''! ما يترك المجال لتساؤلات عديدة. في مقدمتها، هل اكتفت واشنطن بالسماح بـ ''أوروبية'' مدير الصندوق فقط، بصرف النظر عن جنسيته؟ الواضح تماماً، أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بعد لخوض غمار التغيير والتجديد في هذه المؤسسة العالمية المحورية، بصرف النظر عن بعض إخفاقاتها التي أظهرتها الأزمة الاقتصادية العالمية على السطح.

الذي يحدث الآن، أن إدارة أوباما تتبع أسلوب التخدير في هذه المسألة دون أن تُشرع بتنفيذ العملية الجراحية، وتحاول أن تستوعب ما أمكن لها من الانتقادات (حتى الهجوم) باعتبارها السد المنيع لإصلاح ''الصندوق''. فلا غرابة إذن، أن نسمع تصريحات لمسؤولين كبار من بينهم وزير الخزانة الأمريكي نفسه، يعلن عن ماذا؟ عن ''ضرورة منح المزيد من الأصوات للدول الناشئة!''. يُذكِّر هذا بتصريحات أمريكية تاريخية حقاً عن أن ''أيام بشار الأسد معدودة''، متى؟ منذ بدء الثورة الشعبية ضده. وهو ما يترك المجال أمامنا، للتساؤل. هل الأيام المقصودة ضوئية أم أرضية؟ وعلى هذا المنوال يتحدث الأمريكيون عن إعطاء الدول الناشئة المزيد من الأصوات، ولكن مع وقف التنفيذ، بل وفي ظل ''تجميد'' أمريكي لأي تغيير مطلوب. وفي كل المناسبات لا تخفي مجموعة هائلة على الساحة الدولية كـ ''مجموعة العشرين'' امتعاضها من السلوك الأمريكي. فقد وصفت ''التجميد'' الأمريكي بأنه ''يضع سمعة صندوق النقد على المحك، ويؤثر في مصداقية قراراته''.

ومن الواضح، أن إدارة الصندوق نفسها ممثلة في مديرتها الفرنسية كريستين لاجارد، بدأت تشعر بالحرج الشديد من مسألة جمود عملية إصلاح صندوق النقد. ويبدو أنها استنفدت كل المفردات ''التخديرية'' من جانبها بهذا الخصوص، لأنها اضطرت مؤخراً لما يمكن أن نصفه بالاعتراف، حين قالت ''نرى نقطة الوصول. إنها قريبة، وأحض مجدداً الدول الأعضاء على عبورها''! ولكن مهلاً، هل هناك معابر حقاً؟! الجواب ببساطة هو: لا كبيرة. وإذا كانت هناك معابر بالفعل، فإن لاجارد (وغيرها)، لا تملك في الواقع صلاحيات على ''حراس'' المعابر. بالطبع لا تستطيع أن تقول: نحن معكم، ولكن الولايات المتحدة ليست كذلك. وعلى هذا الأساس لم تشر مديرة ''الصندوق'' ولا مرة واحدة، إلى الطرف المعطل.

لن تسير الأمور على صعيد إصلاح صندوق النقد بسرعة، بصرف النظر عن التصريحات الوهمية التي تصدر من هنا وهناك. ولهذه المشكلة التاريخية فرعان. فرع يتعلق بالإدارة الأمريكية، والفرع الآخر يرتبط بالكونجرس الأمريكي. فحتى لو وافقت إدارة أوباما غداً على الإصلاح والتغيير، فإن الأمر (حسب الإجراءات المتبعة) يتطلب موافقة الكونجرس الذي لن يمنحها بسهولة، هذا إذا قرر منحها فعلاً. ليس على الصين والبرازيل والهند ومجموعة العشرين سوى الانتظار. فالتخدير الأمريكي هو السائد حالياً لـ ''الصندوق'' المريض.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.