.
.
.
.

تصنيف جودة المنتجات المالية الإسلامية

صلاح بن فهد الشلهوب

نشر في: آخر تحديث:

منذ أن نشأت المنتجات المالية الإسلامية وتطورت خلال خمسة عقود ماضية، نجد أنها خلال الأعوام القليلة الماضية تطورت بصورة كبيرة جدا من جهة حجم الأصول، ومن جهة تنوع المنتجات والخدمات التي تقدمها المؤسسات المالية الإسلامية، فعندما بدأت المؤسسات المالية الإسلامية بتجربة بسيطة جدا، ثم تطورت لتأخذ شكل المؤسسات المصرفية التي تقدم للعملاء مجموعة من الخدمات المتوافقة مع الشريعة، إضافة إلى التمويل للأفراد والمؤسسات، وبعد ذلك وخلال العقد الماضي تطورت المؤسسات المالية الإسلامية بصورة ملحوظة على مستوى حجم الأصول، وأيضا تنوع القطاعات، إذ إن التمويل الإسلامي لم يعد يقتصر على المعاملات المصرفية، بل أصبح يتوسع في قطاعات جديدة مثل الأدوات الاستثمارية في الأسواق المالية كالصكوك والصناديق الاستثمارية والتأمين، بل يتطلع البعض لدخول التمويل الإسلامي إلى قطاع المشتقات المالية بعد إيجاد نماذج متوافقة مع الشريعة، إضافة إلى قطاع التمويل والاستثمار العقاري. وكل واحد من هذه القطاع يمثل قاعدة مالية ضخمة جدا، ومن الملاحظ النمو الكبير في قطاع الصكوك الذي يمكن أن يكون له في المستقبل القريب نصيب الأسد من حصة التمويل الإسلامي.

قبل هذا الحجم الكبير من النمو كانت الإحاطة بأدوات التمويل يسيرة إلى حد ما، وكان بالإمكان استيعابها من قبل الموظفين والعملاء في المصارف الإسلامية، إضافة إلى أن طلبة العلم والمتخصصين في المجالات المالية والاقتصادية لديهم فرصة أكبر لفهم هذه المعاملات وتوصيفها من الناحية الشرعية، وبالتالي الحكم عليها. لكن اليوم أصبح أكثر تعقيدا من ذي قبل، فنظرا لزيادة الطلب على التمويل الإسلامي واهتمام كثير من المؤسسات والدول بأن تكون معاملاتها متوافقة مع الشريعة، أصبح التكامل في الأدوات المالية أمرا لازما. إذ إن القطاع المالي ليس بالضرورة أن يباشر الأنشطة الاقتصادية الحقيقية كالإنتاج، لكنه شريان الاقتصاد، إذ إنه يوفر التمويل اللازم للمشاريع الاقتصادية وينشط هذه القطاعات ويوفر لها الاحتياجات المالية، إضافة إلى أنه يهيئ لها الفرص الاستثمارية، لذلك من المهم لبناء اقتصاد إسلامي متكامل العناية بالقطاع المالي وتكامل أدواته، لكن من الصعوبات التي تواجه مثل هذا النشاط الذي يتنامى بصورة كبيرة مسألة التزامه بالمعايير الشرعية التي تميزه عن النموذج التقليدي.

الطريقة السائدة لدى كثير من المؤسسات المالية الإسلامية أنها تعتمد على آلية متقاربة وهي الاعتماد على الهيئات الشرعية في إجازة منتجاتها المالية، وهذه الهيئة الشرعية مكونة من مجموعة من العلماء البارزين في القضايا الشرعية المتعلقة بالمعاملات المالية، لكن مع التوسع في هذه المعاملات أصبح من الصعب إحاطة مجموعة قليلة من العلماء باحتياجات المؤسسات المالية الإسلامية، إضافة إلى أن هذه الآلية لا توجد قاعدة بيانات يمكن أن يعول عليها في استدامة تقييم هذه المنتجات وموافقتها للشريعة الإسلامية، إضافة إلى أن الحكم على هذه المعاملات داخل الهيئة الشرعية يكون من مجموعة قليلة من العلماء رغم أنها قضايا تتعلق بالملايين من المستفيدين الذين يتطلعون إلى بدائل متوافقة مع الشريعة.

لذلك فإن مما يعزز كفاءة المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة مسألة تقييم هذه المنتجات وتصنيفها من الناحية الشرعية، وهو ما تمارسه بعض وكالات التصنيف الائتماني لتنصنيف الشركات والدول ائتمانيا، وذلك بغرض إعطاء الممولين مؤشرا على كفاءة هذه الشركات وسندات الخزانة التي تصدرها الدول. أما فيما يتعلق بالمعاملات المالية الإسلامية فهي أيضا في حاجة إلى تصنيف يعطي مؤشرا للمستثمر، فالبعض يريد أن يحتاط بصورة أكبر في استثماراته أو في منتجات التمويل التي يرغب في الحصول عليها، وتتفاوت المؤسسات المالية في مستوى الالتزام بالمعايير الشرعية، لذلك قد يكون البعض أكثر انضباطا من جهة توفير الأدوات والمعايير من جهة اختيار أدوات التمويل التي يوافق عليها الأغلبية من العلماء، ومن جهة اتخاذ الإجراءات الرقابية للتأكد من صحة تطبيق هذه المعاملات، إضافة إلى توفير فرص التدريب لمنسوبيه لتقديم خدمة أكثر انضباطا بالمعايير الشرعية. وهذه الأمور قد تتفاوت فيها المؤسسات المالية، لكن العميل لا يستطيع تمييز هذا التفاوت، لذلك فإن وجود تصنيف للمؤسسات المالية الإسلامية ومنتجاتها قد يساعد عملاء هذه المؤسسات على الاختيار، إضافة إلى تعزيز كفاءة منتجات المؤسسات المالية الإسلامية، كما أنه يساعد في قاعدة بيانات يستفيد منها المتخصصون لدراسة هذه الأدوات وتطويرها.

الخلاصة أن وجود تصنيف ائتماني للمؤسسات المالية الإسلامية ومنتجاتها له أثر في تعزيز كفاءة المنتجات المالية الإسلامية وبناء قاعدة بيانات تعزز استدامة وكفاءة وتنمية عمل المؤسسات المالية الإسلامية.
*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.