.
.
.
.

تطورات الناتج المحلي للفرد خلال 3 عقود

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تنجح سياسات التنمية الاقتصادية الرشيدة على الأمد الطويل في رفع مستويات المعيشة. ويقاس مستوى النجاح بمقدار النمو الاقتصادي في الناتج المحلي للفرد.

وشهدت المملكة خلال العقود الثلاثة الماضية تطورات اقتصادية رئيسة وحركة نهضة نشطة. وبلغ ناتج المملكة المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية نحو 623,4 مليار ريال في عام 1981، وهو العام الذي شهد فيه الاقتصاد السعودي طفرة كبيرة في أسعار النفط. وكان يقطن سكان المملكة في ذلك الوقت نحو 9,8 مليون نسمة، وبهذا وصل معدل الناتج المحلي الجاري للفرد في ذلك العام 63735 ريالا تقريباً، وكان هذا المعدل من مرتفعاً مقارنةً بمعدلات معظم دول العالم في عام 1981.

وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في عام 2012، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود إلى 2727,4 مليار ريال حسب آخر بيانات منقحة ومعدلة. أي أنه تضاعف بالأسعار الجارية بأكثر من أربع مرات. وارتفع عدد سكان المملكة في الفترة نفسها بأكثر من ثلاث مرات، حيث وصل حسب تقديرات مصلحة الإحصاءات العامة إلى 29,2 مليون نسمة في عام 2012، وبهذا بلغ الناتج المحلي للفرد بالأسعار الجارية نحو 93417 ريالا. ويعتبر عام 2012 عام طفرة في أسعار النفط، ولهذا فإن مقدار التحيز محدود عند مقارنة بياناته القومية ببيانات عام 1981، الذي شهد هو الآخر طفرة مماثلة.

ونتج عن الارتفاع الكبير في الناتج المحلي الإجمالي زيادة مقدارها 46,6 في المائة في الناتج المحلي للفرد طوال فترة الـ 31 عاماً الماضية، وهذا يمثل معدل نمو سنوي مقداره 1,2 في المائة. وشهدت الفترة معدلات تضخم محدودة، لكنه كان أعلى بقليل من معدلات النمو في الناتج المحلي للفرد بالأسعار الجارية.

قياس النمو بالأسعار الجارية يعكس التغيرات النقدية في الناتج والدخل، لكنه لا يعتبر معياراً دقيقاً يعكس التغيرات الحقيقية في الناتج والدخل، ولهذا لا بد من تثبيت الأسعار لكل الفترة لمعرفة التغيرات الحقيقية في الدخول والإنفاق والناتج. وكان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعام 1981 قد بلغ نحو 543,1 مليار ريال (بأسعار عام 1999)، وهذا يعني أن معدل الناتج المحلي الحقيقي للفرد كان في حدود 55426 ريالاً في عام 1981. وارتفع الناتج المحلي الحقيقي الإجمالي في عام 2012 إلى 1236,6 مليار ريال (بأسعار عام 1999)، ونتيجةً لذلك بلغ الناتج المحلي الحقيقي للفرد 42347 ريالا في عام 2012. وعند مقارنة معدل ناتج الفرد الحقيقي في عام 2012 بنظيره في عام 1981 نجد أنه تراجع بنسبة 23,6 في المائة في الفترة كلها، أو بمعدل سنوي مقداره 1,1 في المائة. أي أن معدل دخل الفرد الحقيقي أو الوضع المعيشي الذي يرتبط بناتج الفرد بالأسعار الثابتة خلال فترة الـ 31 عاماً الماضية قد تراجع، وذلك على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في تلك الفترة. وتبعث هذه النتيجة المؤلمة بعض الشيء على الإحباط لدى كثير من الناس، حيث لم تنجح كل الجهود التنموية المبذولة خلال العقود الثلاثة في رفع معدلات الدخل الحقيقي للفرد.

عند النظر إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة نجد أنه ينقسم إلى جزأين أو قطاعين رئيسين، هما: القطاع النفطي وغير النفطي. ويسهم القطاع النفطي بنسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي. ولم ينم ناتج القطاع النفطي الحقيقي خلال تلك الفترة إلا بنسب محدودة وذلك لأسباب متعددة، لكن أهمها هي القيود الطبيعية على الإنتاج، حيث يبدو أن من الصعب زيادة معدلات الإنتاج بمعدلات كبيرة. ولهذا قد يكون من الممكن الاكتفاء بقياس الناتج المحلي غير النفطي للفرد لمعرفة مدى تأثير العملية التنموية خلال العقود الماضية. وبلغ الناتج المحلي غير النفطي في عام 1981 نحو 298,5 مليار ريال، وهو ما يعني أن معدل الناتج المحلي غير النفطي الحقيقي للفرد كان نحو 30251 ريالاً (بالأسعار الثابتة لعام 1999).

وارتفع الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي للفرد في عام 2012 ليصل إلى 42347 ريالاً بالأسعار الثابتة، وبهذا ارتفع الناتج المحلي غير النفطي للفرد بنسبة 38,7 في المائة خلال الفترة كلها، أو بمعدل سنوي مقداره نحو 1,1 في المائة. ونسبة النمو في معدلات الناتج المحلي غير النفطي الحقيقي للفرد ليست سيئة كما يظن البعض، خصوصاً مع معدلات النمو السكاني المرتفع التي شهدتها المملكة خلال الفترة. من جهةٍ أخرى، لا يعتبر هذا المعدل مرتفعاً مقارنةً بمعدلات نمو بعض البلدان الصاعدة خلال الفترة نفسها، وهي تعني أن السياسات الاقتصادية حققت بعض النجاح في تحسين دخل الفرد، لكن هذا النجاح ما زال محدوداً مقارنةً بالدول الصاعدة الأخرى.
*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.