.
.
.
.

مجالس الإدارات والجمعيات العمومية.. صراع على السلطة

أمين ساعاتي

نشر في: آخر تحديث:

في الأشهر الأولى من بداية كل عام ميلادي تبدأ المؤسسات الصحفية في السعودية بالتحضير لعقد اجتماعات جمعياتها العمومية، ونحن في هذه الأيام نشهد انعقاد الكثير من الجمعيات العمومية السنوية لمؤسساتنا الصحفية، ونلاحظ في كل المؤسسات الصحفية اهتمامها بتحقيق مزيد من الأرباح، أمّا مشاريع المؤسسات التطويرية فإن مؤسساتنا الصحفية لا تُعنى بها كثيراً.

وفي هذا المقال أتناول قضية الصراع على السلطة بين مجالس الإدارات والجمعيات العمومية في المؤسسات الصحفية، ولنبدأ من المادة (10) التي ُتعنى بالجانب التنظيمي للمجلس، وتنص هذه المادة على أن يكون لكل مؤسسة مجلس إدارة يتكون من عدد من أعضاء المؤسسة لا يقل عن ستة، إضافة إلى المدير العام ورؤساء التحرير على ألا يزيد عددهم عن ثلث مجموع أعضاء مجلس الإدارة، كما أن هذه المادة أعطت لمجلس الإدارة ما سبق أن أعطته للجمعية العمومية مثل حق وضع اللوائح ورسم السياسة العامة، وفي التطبيق فإن الجمعيات العمومية لا ترسم السياسة العامة ومعظم المؤسسات الصحفية لم ترسم لها سياسة عامة ولا تنتخب أو تعين أو تختار رئيس التحرير، أمّا ما يتعلق بمجالس الإدارات فإن المادة (10) أعطت لمجلس الإدارة ما سبق أن أعطته للجمعية العمومية، ومن ذلك أعطى النظام للجمعية العمومية حق اقتراح وإصدار اللوائح الداخلية والحق نفسه منحته لمجلس الإدارة، كما أن النظام أعطى للجمعية العمومية حق اختيار رئيس التحرير، وفي نفس الوقت منح النظام لمجلس الإدارة الحق نفسه.

أمّا المادة (11) فتتحدث عن اختصاصات مجلس الإدارة وأهم ما يُنَص فيها ما يلي: ''لمجلس الإدارة اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لتحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها المؤسسة''.

وهذه العبارة تغطي كل العاملين في المؤسسة من المدير العام حتى المراسل، بل تتسع لكل أعمال المؤسسات الصحفية في الماضي والحاضر والمستقبل، وواضح أن هذه العبارة ليست جامعة مانعة كما يتمناها القانونيون، بل هي جامعة وجامعة وجامعة، ولذلك فإنها سحبت من الجمعية العمومية صفة أنها أعلى سلطة في المؤسسة، بل سحبت منها كل اختصاصاتها، ويصبح اجتماع الجمعية العمومية السنوي اجتماعا بروتوكولياً لنادي المهمشين.

ولذلك قبل أول اجتماع لمجلس الإدارة ''المعين'' من قبل الجمعية العمومية يكون المجلس قد انتزع من الجمعية العمومية التي عينته قراراً بتخويل المجلس القيام بكل اختصاصاتها.

هكذا في كثير من المؤسسات الصحفية حينما تتم عملية انتخاب مجلس الإدارة يبادر المجلس في التو واللحظة بانتزاع قرار من الجمعية العمومية يعطيه صلاحية القيام بكل اختصاصات الجمعية العمومية.

وطبعاً إذا استطاع مجلس الإدارة أن يستحوذ على الاختصاصات، فإنه سيؤسس لبقائه لكل الفترات المقبلة، وما يقال عن انتخابات مجلس إدارة جديد يعتبر ضرباً من العبث، لأن مجلس الإدارة الذي يملك سلطة أعماله هو المجلس الذي يملك سلطة استمراره!

أمّا ما يقال إن الجمعية العمومية تقوم ــــ وفقاً لمبادئ الحوكمة ــــ بوظيفة المراقبة والمساءلة والمحاسبة والتوجيه لمجلس الإدارة، فهذه الوظائف المحترمة تتاح لمن يمارس اختصاصاته وتتوافر أمامه فرص تجديد دماء أعضاء المجلس بصورة شفافة ومنتظمة، أمّا الاستفراد بكراسي المجلس لفئة بعينها ولمدد طويلة لا محدودة، فإن وظائف الشفافية والمساءلة والنزاهة والإفصاح ستغيب إلى الأبد.

وفي ظل غياب الرقابة والمساءلة والنزاهة، فإن الكثير من المؤسسات الصحفية تغيب عن أجندتها المشاريع الاستثمارية وتكون دائماً عرضة للهزات والعثرات المالية، ويظنون خطأ أن عمليات إصدار الصحف هي الوظيفة الوحيدة التي يجب أن يعملوا في دوائرها، ولكُم أن تتخيلوا أن إحدى المؤسسات الصحفية زاد رأسمالها إلى الضعف ولم تنفذ مشروعاً استثماريا واحداً يستفيد من الزيادة الهائلة في رأس المال.

وهكذا إذا استعرضنا منجزات الكثير من مجالس إدارات المؤسسات الصحفية.. نجد أن معظمها ينحّى المشاريع الاستثمارية جانباً وكأنها لا تخصه، فهو يظن خطأ أن وظيفة المؤسسة هي فقط الإصدارات الصحفية، علماً بأن أمام مجالس الإدارات فرصاً استثمارية إعلامية وطباعية وإعلانية وتوزيعية واستشارية متعددة ويجدر أن تستثمر المؤسسات الصحفية في هذه المجالات حتى تستطيع أن توسع دائرة مساهمتها في دعم الاقتصاد وتنمية المجتمع.

وبنظرة مقارنة مع نظام الشركات فإن مجلس الإدارة في نظام الشركات هو بمثابة السلطة التنفيذية التي تمثل جميع المساهمين أي أن مجلس الإدارة مفوض من قبل المساهمين لإدارة الشركة، ومن حق أي مساهم أن يسأل ما شاء من أسئلة تتعلق بالشركة، ومن واجب مجلس الإدارة أن يجيب بأعلى درجات الصدق والشفافية على كل الأسئلة دون ضجر أو ململة، بل من حق كل مساهم أن يطلع على كل سجلات الشركة ولا توجد أسرار على العضو المساهم، فالشركة ملك كل المساهمين ومن حق المساهمين أن يعرفوا كل صغيرة وكبيرة عن الشركة التي يملكونها.

والخلاصة أن من أهم أسباب ضعف الجمعيات العمومية في المؤسسات الصحفية هو غياب ثقافة الجمعيات العمومية، وهذا الغياب يعود لعدم تضمين نظام المؤسسات الصحفية مواد نظامية تتناول أهم الوظائف الاستراتيجية التي يجب أن تقوم بها الجمعيات العمومية للمساهمة في صنع النجاح، واكتفى النظام ـــ مع الأسف الشديد ــــ بوضع سطور قلائل عن دور الجمعية العمومية في المساهمة في إدارة المؤسسات!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.