.
.
.
.

قبرص ومعضلة القرار في منطقة اليورو

فهد إبراهيم الشثري

نشر في: آخر تحديث:

مرة أخرى، دولة أخرى من دول منطقة اليورو تعيش أزمة مالية تهدد بها منطقة اليورو بأكملها، وبالتالي الاقتصاد العالمي. فخلال الفترة الأخيرة، شهد الاقتصاد العالمي تعافياً حذراً جداً، حيث أسهمت الإجراءات التي قام بها البنك المركزي الأوروبي في التخفيف من حدة الأزمة في منطقة اليورو، ما خفف الضغوط على دول الجنوب في منطقة اليورو للمضي قدماً في إجراءاتها التقشفية والتكيفية مع الأزمة. إيطاليا وإسبانيا، اللتان تشكلان ثالث ورابع اقتصاد في منطقة اليورو، شهدتا تحسناً في تكلفة الاقتراض لكليهما، ما خفف المخاوف الكبيرة بشأن تفاقم الأزمة فيهما، ومن ثم المخاطر من جر منطقة اليورو والاقتصاد العالمي برمته إلى أزمة لا يعلم المدى الذي يمكن أن تؤول إليه.

مرة أخرى، كما أشرت تعود الأزمة في منطقة اليورو إلى المربع الأول، وتخيم علامات التشاؤم مرة أخرى على المستقبل المنظور لمنطقة اليورو. ومرة أخرى أيضاً يتضح أن هناك معضلة كبيرة تواجهها منطقة اليورو في التعامل مع الأزمات. قبرص الدولة التي لا يتعدى الناتج المحلي الإجمالي فيها الـ 24 مليار دولار، ويتجاوز عدد سكانها المليون نسمة بقليل، ولا يتجاوز نسبة حجم اقتصادها إلى حجم اقتصاد منطقة اليورو الـ 0,25 في المائة، جرت منطقة اليورو إلى المربع الأول من الأزمة. المشكلة في قبرص أظهرت هشاشة النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه الكثير من الدول ذات الحجم الصغير مقارنة بالاقتصاد العالمي، التي اتخذت من موقعها الجغرافي وأنظمتها الضريبية ميزة كملاذ ضريبي آمن. النموذج الاقتصادي في قبرص كان معتمدا بشكل كبير على اجتذاب الودائع المصرفية من خلال تقديم ميزات ضريبية تشجع الكثير من أصحاب رؤوس الأموال على الهروب بأموالهم من الضرائب الكبيرة التي كانت تفرض عليهم في دولهم، فأصبحت مجرد وسيلة لتحرير هذه الأموال من الأعباء الضريبية المترتبة عليها. المشكلة الأكبر، هي تركز مصدر هذه الودائع في دولة واحدة، حيث أصبحت قبرص وسيلة لرجال الأعمال والأثرياء الروس للهروب بأموالهم من الضرائب التي تفرض عليهم في روسيا.

إجمالي قيمة الودائع في النظام المصرفي في قبرص يقارب أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لها، حيث تبلغ تقريباً (65 مليار يورو)، وهو ما جعل اقتصادها منكشفا بشكل كبير على الاقتصادات الأخرى، حيث يعتمد تدفق الودائع إليها على وضع الاقتصاد في الدول التي تمثل المصدر الرئيس لهذه الودائع، وأيضاً على التشريعات المالية والضريبية في هذه الدول. المشكلة أيضاً زادت تعقيداً بزيادة تركيز النظام المصرفي في قبرص، حيث يمثل المصرفان اللذان تسببا في الأزمة، وهما بنك ليكي وبنك قبرص، ما نسبته 70 في المائة من حجم الودائع في النظام المصرفي ككل. وبسبب الأزمة في منطقة اليورو، وبالتحديد عملية إعادة هيكلة الديون في اليونان، واجه هذان المصرفان خسائر كبيرة أدت إلى تآكل رأسمالهما، وبالتالي عدم قدرتهما على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتهما.

الأزمة أبرزت تعقيد عملية اتخاذ القرار في منطقة اليورو، لدرجة أن ذلك كاد يؤدي إلى نتائج كارثية ليس فقط على مستوى الاقتصاد القبرصي أو على اقتصاد منطقة اليورو فحسب، لكن على مبادئ أساسية يقوم عليها النظام المصرفي في جميع دول العالم. جري المودعين لسحب أموالهم يمثل أحد المعضلات الرئيسة التي تواجه أي نظام مصرفي في العالم، لأن عملية خلق النقود تؤدي إلى زيادة حجم الودائع في النظام المصرفي بشكل لا يتناسب مع السيولة الموجود فعلياً فيه، وبالتالي فإن استمرار استقرار الوضع يعتمد على تعزيز الثقة بقدرة النظام المصرفي على الوفاء بالتزاماته للمودعين في حال رغبوا في سحب ودائعهم. لكن في حال رغب جميع المودعين في النظام المصرفي سحب ودائعهم مرة واحدة، وهي حالة لا تحدث إلا خلال حدوث أزمة مالية وانتفاء الثقة في قدرة النظام المصرفي على الوفاء بهذا الالتزام المقدس لمودعيه، فسيواجه النظام المصرفي مشكلة كبيرة في تحقيق ذلك، وسيؤدي ذلك إلى انهيار النظام المصرفي.

هذا الأمر حدث بالفعل خلال أزمة الكساد الكبير، وهو الدرس الذي بنيت على أساسه فكرة تأمين الودائع إلى حد معين، لتوفير ضمانة كافية لصغار المودعين لكيلا يسحبوا ودائعهم حتى في حدوث أزمة كبيرة، ما يمكن النظام المصرفي من الثبات خلال الأزمات. أزمة قبرص أثبتت هشاشة آلية التعامل مع الأزمات في إطار منطقة اليورو، حيث إن مجرد فكرة العبث بمبدأ تأمين الودائع قد يؤدي إلى نتائج كبيرة ليس على اقتصاد قبرص أو منطقة اليورو فقط، ولكن على الاقتصاد العالمي ككل.

الاتفاق الأول الذي توصلت إليه مجموعة اليورو المشكلة من وزراء المالية، والقاضي بفرض ضريبة على الودائع بما في ذلك المؤمنة منها، والذي رفضه لاحقاً البرلمان القبرصي، كان خطأ كبيرا جداً، حيث إن آثاره كانت ستمتد إلى دول منطقة اليورو الأخرى التي تعاني حالياً مشاكل في النظام المصرفي كإسبانيا. مجرد وجود احتمال لتعرض الودائع المؤمنة للخسارة، يخالف المبدأ الذي يقوم عليه تقديم الدول لهذا التأمين، والذي يهدف إلى تعزيز ثقة المودعين بأن هناك حداً أدنى من التأمين على الودائع، ما لا يدعو إلى قلق المودعين الصغار الذين عادة يمثلون النسبة الكبرى من المودعين. مجرد العبث بهذا المبدأ كان خطأ جسيما حتى لو تم تلافيه لاحقاً في الاتفاق الثاني.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.