.
.
.
.

شكوك «الكهرباء» في جدوى الطاقة الشمسية

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

أرجو ألا يصبح الحديث عن ضرورة المضي في تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية بالسرعة الممكنة من الأمور المُختَلَف على أهميتها. فقد لفت نظري أخيرا تصريح لأخينا الفاضل المهندس علي البراك حول عدم إمكانية استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الطاقة الكهربائية في الوقت الحاضر، الذي فهمت من مضمونه أن هناك شكوكا في جدواها الاقتصادية.

ومع ذلك فإن حديث المهندس علي المُشار إليه لم ينف الحاجة مطلقًا إلى الطاقة الشمسية. ومن المحتمل أنه كان يقارن تكلِفة الطاقة الشمسية مع الأسعار المخفَّضة للوقود النفطي، وهو ما لا نتفق معه.

وما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو وجود كثير من المسؤولين، سواء في مؤسسة توليد الطاقة الكهربائية أو خارجها، الذين لم يقتنعوا بعد بأهمية وجدوى استخدام الطاقة الشمسية خيارا أمثل لتوفير الوقود النفطي الذي يُستهلَك اليوم بإسراف شديد. مع أن ما سنوفره من المشتقات النفطية قيمته في السوق العالمية تزيد بأكثر من عشرة أضعاف قيمته المحلية.

ومن المعروف أن شركة الكهرباء بهيكلها الحاضر، هي مؤسسة غير ربحية. ووضعها الحالي، بما في ذلك طرق الجباية التي لا تضمن سداد كامل الدخل، وتمويل الدولة لبعض مشاريعها الكبيرة، وعلاقتها بأسعار الوقود المخفضة، وعدم تحكمها في أسعار بيع التيار الكهربائي، كل ذلك لا يشجع على الحماس المطلوب لمشاريع الطاقة الشمسية. وعما تفضل به المهندس علي من أن الاستثمار في الطاقة الشمسية يحتاج إلى معاضدة من الحكومة، فهذا أمر بدهي. فمثلما أنها سمحت ببيع الوقود النفطي إلى شركة الكهرباء بأقل من نصف العُشُر من قيمته السوقية، فمن المؤمَّل أن تعمل الشيء نفسه مع مشاريع الطاقة الشمسية.

والفارق أن ما تحتاج إليه الطاقة الشمسية من المساعدة لا يساوي إلا نسبة قليلة مما تقدمه للمشتقات النفطية، وهذا يزيد من أفضلية مشاريع الطاقة الشمسية على المصادر الأحفورية. ونتمنى ألا يصدر من أي مسؤول مثل هذا التصريح المُحبِط الذي لا يُمثل الواقع ويصور الأمر أمام الرأي العام على غير حقيقته.

وهناك أمر مهم لا بدَّ من توضيحه فيما يتعلق بالتكلفة الحالية الحقيقية لتوليد الطاقة الكهربائية بواسطة الطاقة الشمسية. فقد تدنَّت أسعارها خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل ''دراماتيكي''، وأصبحت اليوم خُمُس ما كانت عليه قبل عشر سنوات. وهي الآن تُنافس مُعظم مصادر الطاقة الأخرى، وعلى وجه الخصوص المواد الهيدروكربونية بأنواعها وأشكالها. ونحن نتحدث هنا عن الأسعار العالمية للنفط وليس الأسعار المحلية المُخفضَّة من أجل رفاهية المواطن. ومنْ يُجادل بأن تكلفة إنتاج النفط لدينا مُتدنية، ولا يرى بأسًا من استخدام السعر المخفض، نُذكره بأن المشتقات النفطية مواد قابلة للنضوب ولا يصح أن نفرط بها ونحن لدينا البديل المناسب سعرًاً واستخدامًا.

ودعونا نضرب لذلك مثلاً بسيطًا لعله يزيل الغموض الذي يتخيله البعض. فلو كنت تملك ملايين عدة من النقود وأنت تعرف جيدًا أنك لست في حاجة إلى كل هذه الثروة. وطلب منك صديق أن تمنحه سلفة طويلة الأجل. فهل تطلب منه إعادة المبلغ بالكامل أم تكتفي بعُشُر ما أعطيته، على أساس أن عندك خيرا كثيرا؟ لا نشك على الإطلاق في أنك ستميل إلى الاختيار الأول وهو أقرب إلى المنطَق السليم. وما نوفره من ثروتنا النفطية سنبيعه في يوم ما بأسعار تفوق الأسعار المحلية بأضعاف كثيرة. ومنها نموِّن مشاريع الطاقة الشمسية. وكل ما يحتاج إليه الأمر هو فقط بُعد الرؤية وحساب المصالح المستقبلية وليس فقط الآنية. وما يستوجب العجب أن مُبرِّر عدم قبولنا للطاقة الشمسية هو كوننا نمتلك أكبر ثروة نفطية، أو هكذا يقولون. لكننا نتناسى أنها ثروة ناضبة مهما بلغ حجمها وأننا من دون دخلها أفقر شعب على وجه الأرض. ما يُحتم علينا الحفاظ عليها بشتى الطرق، ومنها استخدام مصادر الطاقة المتجددة. ونحن نعلم أن الفوائض المالية الكبيرة التي لدينا اليوم هي في حوزة وزارة المالية.

ولا نعلم إن كان لدى المسؤولين في الوزارة الصورة الكاملة عن الأهمية الاقتصادية المتكاملة والمستقبلية لمشاريع الطاقة الشمسية. فمن المفروض أنهم أول منْ يؤيدها من أجل استمرارية تدفق العوائد النفطية على مدى أطول، مع العلم أن احتمال تناقص الدخل، وليس انتهاء عصر النفط، قد يحدث بعد عقود قليلة. وأول ما يخطر على البال، هو الطريقة الحالية لاستثمار الفوائض المالية، وهل هي مثالية وذات مردود مجز وبعيدة عن المخاطر التي قد تُعرضها لفقد نسبة منها! وهل، على ضخامتها، لها نصيب من توفير وظائف لشبابنا العاطل عن العمل؟ فالمعروف أن مردودها قليل وأنها رغم تنوع أمكنة الاستثمار مُعرَّضة لعوامل التضخم، وربما التآكل في حالة حدوث أزمات اقتصادية حادة. وحتما أن وجودها خارج المملكة لا يمكِّنها من خلق وظائف جديدة ضمن اقتصادنا الوطني. أما الاستثمار في الطاقة الشمسية، فأول ثمارها توفير كميات كبيرة من المواد النفطية ذات القيمة العالية. وصناعة الطاقة الشمسية على بساطتها وسهولة توطينها توفر عشرات الألوف من الوظائف للمواطنين. ويمكن أن نعتبرها مصدرا موثوقاً لتنويع الدخل الذي كنا نسعى لتحقيقه دون جدوى منذ أكثر من 40 عاماً.

والدراسات القيمة التي قام بها إخواننا الأفاضل في مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، وفقهم الله، تؤيد وبكل قوة هذا الاتجاه. وإذا رفعنا مستوى التفاؤل بالمستقبل فإننا نأمل - إن شاء الله - أن نصل بالطاقة الشمسية إلى حد الاكتفاء الذاتي ومن ثم التصدير، ما لم نـتأخر في بدء التنفيذ. وربما أن الطاقة الشمسية هي الوحيدة بين مختلف مصادر الطاقة التي تتجه تكلفتها إلى الانخفاض مع مرور الوقت نتيجة للتقدم التكنولوجي؛ ونظراً لدوام وثبات كمية مصدر الطاقة وهي الأشعة الشمسية. وربما أن كثيرين لا يدركون أن عدداً من دول العالم سيكونون في حاجة إلى البحث عن روافد جديدة لمصادر الطاقة بعد أقل من عقد واحد من الآن.

ولن يجدوا أفضل ولا أيسر من الطاقة الشمسية. فدعونا نكون في المقدمة، فلسنا أقل منهم حاجة إلى مصادر الطاقة المتجددة لتستمر بلادنا موطناً للطاقة. ولن يكون ذلك أول فضائل الشمس علينا. فإن المواد النفطية التي بفضل من الله ننعم بخيراتها منذ أكثر من 70 عاماً هي أيضا من صنع الشمس قبل مئات الملايين من السنين، إلى جانب مصادر غذائنا التي لو لا الله.. ثم الشمس لما وُجدِت.

ومن أجل غدٍ أفضل ـــ بإذن الله ـــ وطاقة شمسية مستديمة، أريحونا من مقولة ''أكبر ثروة نفطية وأكبر مُنتِج''. فنحن أيضا أكبر مُستنِزف ومستهلِك للثروة النفطية والأكثر إسرافا في الماء والاعتماد على العمالة الأجنبية. وهي أمور لا تدعو إلى الفخر.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.