.
.
.
.

مكونات أزمة السكن

عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

نشر في: آخر تحديث:

عندما كتبت مقالي قبل أسبوعين تحت عنوان أزمة سكن أم أزمة تشريعات لم يكن يدور بخلدي أبداً أن هناك قرارا من أرفع مستوى في البلد قريب الصدور حول الموضوع. ولذلك تمنيت في المقال المشار إليه على مجلس الشورى أن يساهم، بما لديه من صلاحيات، في حل معضلة السكن التي أصبحت مستعصية. فنحن بدون مبالغة نعيش أزمة سكن خانقة ربما ليس لها مثيل. وأنا أكتب هذه السطور وأمامي معطيات تجارب جيراننا في بلدان مجلس التعاون التي يمنح البعض منها لكل مواطن أرضين بالأضافة إلى أرض السكن بهدف التشجيع على ممارسة الأعمال في مجال الزراعة والصناعة. طبعاً ظروفنا في المملكة ربما تختلف. ففي بلدنا يسكن ما يقارب 28 مليون نسمة ١٩ مليون منهم مواطنون.

ورغم ذلك فعلينا أن لا نبحث عن الأعذار ونترك أزمة السكن تستفحل. فنحن بدون مبالغة قد صنعنا هذه الأزمة ولكن دون أن نحصل مقابل ذلك على براءة اختراع. فأولاً كان هناك الجانب التشريعي الذي قيد حرية الاستثمار العقاري. وهذا أمر بحد ذاته يدعو للاستغراب. ففي خلال الفترة الماضية كانت أزمة السكن تزداد سوءاً بينما التشريعات المتعلقة بالتمويل العقاري بدلاً من أن تساعد في حل المشكلة قامت بصب الزيت على النار. ولا أدري ما إذا كان هناك مكان آخر في العالم يعيش مثل هذه الفجوة الكبيرة بين القوانين المعمول بها ومتطلبات الحياة.

من ناحية أخرى فإن جشع تجار العقار قد ساهم هو الآخر في ازدياد لهيب الأزمة ووصولها إلى هذه المستويات المخيفة. فالارتفاع المطرد لاسعار الأراضي والمباني السكنية قد وصل إلى مستويات اصبحت تشكل عائقاً أمام نمو الطلب. وهكذا تحول الجشع العقاري ليس فقط إلى عقبة تمنع تحسن الأوضاع السكنية للمواطنين وإنما إلى واحد من الأسباب التي تقيد تطور قطاع العقار نفسه. فالطلب على أية سلعة لا يمكن أن يتطور باستمرار إذا كان معدل التضخم أعلى بكثير من معدل نمو الدخل. ففي مثل هذه الحالة يفترض أن تصحح السوق الخلل. ولكن هذا، مثلما نرى، لا يحدث بسبب تحكم المجاميع العقارية بأسعار الأراضي والمساكن.

ولا تفوت الإشارة هنا إلى الأراضي البيضاء التي ساهم الاستحواذ عليها في تقلص مساحات الأراضي المعروضة للتداول. الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على العرض وتشوه السوق العقارية بشكل مصطنع.

تلك إذاً هي المكونات الرئيسية للازمة العقارية التي نعيشها. هذه الأزمة التي أدت إلى وضع المواطن بين سندان التشريعات العاجزة عن تشجيع التمويل العقاري ومطرقة جشع تجار العقار. طبعاً مثل هذا الوضع ما كان له أن يتطور على النحو الذي شهدناه لو أن الدوائر والوزارات المعنية بالأمر انتزعت زمام المبادرة. ولهذا فإن قرار خادم الحرمين الشريفين الذي صدر يوم الثلاثاء الماضي والقاضي بتوفير السكن المناسب للمواطنين قد جاء ليصب الماء على نار قبل أن ترتفع. فدمت أيها الملك المعظم وليحفظك الله ذخراً لاستقرار هذا البلد وتقدمه وازدهاره.

*نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.