.
.
.
.

وزارة الإسكان .. لن تحل المشكلة وحدها

عبد الوهاب الفايز

نشر في: آخر تحديث:

بما أن موضوع الإسكان أصبح همنا الأكبر.. لا مفر من العودة إليه مرة أخرى، فالموضوع يستحق مواصلة الحوار الوطني الإيجابي الذي يساعد على استنارة الطريق حتى نصل إلى ما يؤدي إلى حل هذه الإشكالية الوطنية الكبرى، ومن معطيات المؤشرات التي بين أيدينا الآن ثمة إحساس بأن وزارة الإسكان لن تستطيع وحدها الجزم بأن لديها الحل والربط الجامع المانع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لمشكلات الإسكان، وهذا مدخلنا لموضوعنا، وهو: ضرورة تحويل مشروع إنشاء (نصف مليون) وحدة سكنية ليكون مشاركة بين جهات عدة لها تجربتها السابقة في إنشاء وإدارة المجمعات السكنية المتكاملة، وفي تفريق المشروع بين أجهزة حكومية مختلفة، نحقق فوائد عديدة، وزارة الإسكان أول المستفيدين، وأرجو أن تكون: أول المرحبين!

من هذه الفوائد، تسريع إنشاء هذا العدد الكبير من الوحدات السكنية؛ فالناس استبشرت بالمشروع العظيم.. لكن اتضح أن العوائق أكبر مما كنا نتصور، فوزارة واحدة حديثة النشأة ومن دون تجربة سابقة متراكمة لن تتغلب وحدها على مشكلات الإسكان، وبالتالي لن تتمكن من الوفاء بولاية كل ما يمس قطاع الإسكان التي أحيلت إليها، وكان آخرها القرار التاريخي لخادم الحرمين الشريفين بتحويل أراضي منح المواطنين إليها لتتولى تطويرها وبناءها. كما أنها مطالبة بوضع التشريعات والضوابط التي تنمي وتحفز القطاع، بالذات مجال الإيجار. وكذلك تنويع سياسات الإقراض لحفز عوامل العرض والطلب؛ حتى تتم السيطرة على أسعار الإسكان في المدى البعيد.

الإسكان الآن يأتي في قائمة أولويات الدولة بعد أن تصدر القضايا التي تقلق الناس، وأصبح يمس مقومات الحياة الكريمة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة لن يتمكن أصحاب الدخول المتوسطة من تلبية المتطلبات الأساسية لحياتهم إذا أضيف إليها السعي خلف المسكن بالإمكانات الذاتية؛ فتأمين السكن كما نعرف يقتطع النسبة الكبرى من الدخل، حيث لا يبقى للادخار ما يساعد على تقلبات الأيام.

ما نطرحه هنا مقترح نرجو ونأمل أن يجد من يضعه في إطاره الوطني، وهو أن يتم تحويل إنشاء نصف الوحدة السكنية التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين إلى المؤسسات والأجهزة الحكومية التي كانت لها تجربة سابقة في بناء مشاريع الإسكان وإدارتها، ولهذا التوجه فوائد عديدة.

كما نعلم.. الأمر المزعج في مشاريع التجمعات السكانية يأتي بعد البناء، فهناك متطلبات الصيانة والنظافة للوحدات السكنية وللمرافق العامة، وكذلك ضرورات التغطية الأمنية، وإدارة الحركة المرورية.. وغيرها من المتطلبات. في هذا المجال لدينا جهات كانت لها تجارب ناجحة مثل وزارة الدفاع و"أرامكو" والهيئة الملكية للجبيل وينبع والجامعات ووزارة الداخلية، والحرس الوطني وربما هناك جهات لم أذكرها. هذه الجهات لديها (الأراضي الواسعة) المتاحة لمشاريع الإسكان، وندرة الأرض هو ما تعانيه وزارة الإسكان، وهو الذي أخّر الاستفادة من المشروع الكبير الذي أمر به الملك عبد الله.

هذه الجهات عندما تبني المساكن فإنها تقدمها لذويها المواطنين، وغالبا ما تكون بأسعار رمزية وتبقى متاحة لهم مدة بقائهم في العمل، والجهات التي لديها مجمعات إسكان متطورة في الخدمات تتحول إلى حاضنة اجتماعية إيجابية تسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي، ويكون لها أثر كبير في زيادة الإنتاجية للموظفين بالذات عندما تربط العائلات والأولاد وتحولهم إلى مجتمع صغير متراحم مترابط. والأهم من ذلك، أنها تكون بيئة مثالية لـ(الترابط الوطني) الذي يعكس حيوية الوحدة الوطنية، حيث يجتمع الناس من أجزاء الوطن المختلفة.. وهذا عمل كبير يبرر دعم تجربة برامج الإسكان التي تبنتها القطاعات العسكرية أو الجامعات وتوسيعها.

ما هو مهم أيضا من التجارب السابقة ما يخص (التجربة الإدارية) التي تتراكم في التشغيل والصيانة وإدارة تجمعات السكان. الجهات التي قدمت الإسكان لمنسوبيها في العقود الأربعة الماضية تجمعت لديها تجربة إدارية يفترض أن نعمقها ونستفيد منها، بينما في المقابل مشاريع الإسكان العامة التي كانت من دون ضوابط صارمة للإدارة والتشغيل، وربما تجمع الناس من شريحة واحدة دون برامج إنسانية واجتماعية وتعليمية.. عادة تنتهي هذه المجمعات إلى مصدر للمشاكل الاجتماعية والأمنية، وبالتالي يهجرها سكانها، وفي كثير من الدول تمت إزالتها، بينما لو عدنا إلى المجمعات السكنية التي ترعاها جهة محددة وتضع لها الضوابط وتسيطر على إدارتها.. نجدها الآن وبعد سنوات طويلة قائمة ومستقرة إنشائيا واجتماعيا.

أيضا هناك جانب مهم يخص (العدالة في توزيع الوحدات السكنية). هذا الجانب من أصعب الموضوعات وهو مصدر للمشكلات ولإثارة التوتر ويفتح جبهة مقلقة للدولة؛ لأنه يرتبط بإرضاء جميع الأطراف، وكيف لنا نواجه هذه الإشكالية بأقل الأضرار بالذات الآن مع تطور ظاهرة الاحتجاج وعدم الرضا وارتفاع سقف المطالبات التي نسمعها من البعض، حيث تتحول بشكل كبير مسؤولية الوفاء بالاحتياجات الحياتية على الحكومة ومؤسساتها.. دون مسؤولية تجاه الذات! ومع الأسف، أن الإعلام الوطني يغذي هذه الظاهرة السلبية عبر الموقف الثابت الذي يشكك في أي إجراء حكومي يتم اتخاذه، وموضوع الإسكان له جاذبية شعبية طاغية يتوق لها الباحثون عن النجومية المعاصرة في الفضائيات أو في فضاء الاتصال الاجتماعي، أو حتى في الصحف اليومية السيارة!

عندما نطرح هذا الموضوع.. الهدف هو استشراف المستقبل لواقع مدننا، وأيضا نطرحه أملا في التعلم من تجاربنا السابقة في إدارة التنمية. ونطرحه لأن ثمة قناعة بإخلاص وصدق نوايا القيادات ورجالات الدولة لأن تحقق بلادنا إنجازا ملموسا في قطاع الإسكان، وأجزم أن لدينا (أولي العزم من المسؤولين) الذين عقدوا النية على انتهاج أسلوب جديد يتجاوز الأخطاء الكبيرة التي ارتكبناها في حق أحيائنا السكنية في العقود الماضية، فقد بنينا أحياء غريبة عنا حولتنا إلى غرباء، فهي أحياء تفتقد المقدمات الحضرية التي يحتاج إليها الإنسان، فقد سلمنا أحياءنا أولا للنشاط التجاري ثم للسيارة!

الآن جاء الوقت المناسب والضروري للتطوير وللإصلاح الكبير في قطاع الإسكان بالذات مع وجود (مليونين و300 ألف) طلب قرض لدى صندوق التنمية العقاري. المهمة أكبر من وزارة الإسكان، وربما نظلم القائمين عليها إذا نحن توقعنا منهم الإنجاز الكبير في بضع سنوات.. المهمة تفوق طاقتهم!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.