عجز التخطيط وتدهور التنمية

يعقوب أحمد الشراح
يعقوب أحمد الشراح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

برغم مرور سنوات طويلة من عمل اللجان والمجالس العليا في إعداد خطط التنمية لأكثر من عقدين صُرفت فيها الأموال وارهقت الجهود في توصيات لم تنفذ على الوجه الصحيح فإن المواطن ما زال محبطاً لا يصدق أن الإنجاز لم يتقدم ولو سنتيمتراً واحداً على خط التنمية المنشودة.
فما فائدة التوصيات بينما مازال المواطن يعيش أوضاعاً مُختلة وفي شتى المجالات كالصحة والتعليم والإدارة والمرافق العامة والبيئة وغيرها، هذا في وقت تتمتع فيه الدولة بالفائض من الأموال، فتذهب إلى الجيوب في هبات وكوادر ومساعدات ومنح في الداخل والخارج...

الدولة المتحضرة تخطط من اجل التنفيذ والتقدم ولتلبية مطالب شعوبها التي تحاسب حكوماتها على أدائها وإنجازها. فليس هناك في التخطيط الاستراتيجي شيء مؤجل أو متعثر أو لا يمكن تنفيذه لدى هذه الدول، كما أنه ليس هناك هدر للمال على خطط نظرية تحفظ توصياتها في أوراق توضع على الأرفف وتهمل بمرور الزمن. فالتخطيط في الدول المتقدمة تجسيد حقيقي لترجمة الأفكار والتطلعات إلى برامج عمل مؤثرة في حياة الإنسان.

مشكلة التخطيط لدينا أنها تميل نحو الشكلية والمظهرية أكثر من أن تكون علماً ومنهجاً حياتياً، فالتخطيط كغيره يتلون بالسياسة أكثر من حاجته إلى الواقعية والبراجماتية الراسية على الحقائق والتقصي والمرامي والجدوى. فكيف يكون التوسع في بناء المستشفيات أو المدارس مثلاً بينما الأولوية ينبغي أن تكون في معالجة الحاجة لهذه الأشياء من خلال الاستغلال الأمثل والرشيد لما هو قائم أو موجود، كذلك لا تبني الجسور على البحار أو بين الجزر بينما هناك حاجة أكبر إلى الجسور والأنفاق التي تعالج أزمة اختناق المرور في الشوارع والطرقات المكتظة بالمركبات والناس في كل الأوقات.

هذه الفوضى تعكس الارتباك بين مفاهيم التخطيط وأولويات المجتمع، فتختلط الأهداف البعيدة المدى مع القصيرة المدى، والخلط بين المهم وغير المهم، وفتح المجال لتدخلات أصحاب القرار في تغيير أعمال المتخصصين والمهنيين، وحتى في اجراء تغييرات ميدانية لمشاريع تنفذ على ارض الواقع...

لذلك، ليس بمستغرب أن تتعطل المشاريع ولا تنفذ بالشكل المرسوم لها ويعاني الناس من سوء الخدمات أو غيابها ما يؤدي إلى المعاناة وتردي الاحوال، والاحتقان السياسي، وتفشي الفساد. إن التأخر في تحقيق مطالب الناس المتزايدة كحق مشروع لهم هو نتاج طبيعي لسوء التخطيط وعدم معالجة المشكلات القائمة مثل البطالة المقنعة، واختلال التركيبة السكانية، وزيادة ملحوظة في عدد المقيمين بصورة غير قانونية، وتعثر تطبيق قانون المرور وردع المستهترين من قيادة السيارات برعونة وغيرها.

ومع أننا من أوائل الدول الخليجية التي بدأ فيها التخطيط فإن واقعنا يعكس أننا لم نحقق ما كنا نتمناه مقارنة بالإنجازات الكبيرة التي حققتها الدول الخليجية على مدى سنوات قليلة بعد أن اكتسبت الخبرات ووضعت التشريعات المصحوبة بجدية اتخاذ القرارات، ومحاسبة كل من يقصر في تنفيذ ومتابعة ما تم اعتماده من مشاريع حيوية...

نتمنى أن نستفيد من أخطائنا في التخطيط، وان نسارع في التنفيذ، فلا نهدر المزيد من الوقت والجهد والمال في كثرة اللجان والمجالس والدراسات، فلدينا الكثير من المعلومات والتجارب غير الناجحة التي لابد أن تدفعنا أكثر للإنجاز واختصار الزمن وتعويض ما فات من جهد ووقت. ولتنفيذ ذلك لابد أن تحدد الحكومة بالتعاون مع المجلس النيابي أولوياتها في إطار برنامج واضح يمكن تنفيذه كل سنة مع تحديد مراحل وزمن الانجاز، والقدرة على المتابعة من السلطتين، الحكومة ومجلس الأمة.. إن أي عودة في التخطيط للأساليب القديمة يعني انتكاسة أخرى لابد أن تحاسب عليها الحكومة، خصوصاً وانه لا عذر لها في هذه المرحلة أن تتخلف عن مسؤولياتها الدستورية بعد أن توافر لها مجلس نيابي مريح يريد التعاون ولا يسعى للصدام والعناد والمواجهة....

*نقلا عن صحيفة الراي الكويتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.