سوق الطاقة.. يتسع للمزيد من الموارد البترولية

أمين ساعاتي
أمين ساعاتي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أعود مرة أخرى إلى موضوع الساعة، وهو الموضوع الذي خالفت فيه من يرفع شعار النفط الصخري في مواجهة النفط الأحفوري.

وأنا هنا لا أنكر الاكتشافات الجديدة التي فجرها النفط الصخري والغاز الصخري، ولا أنكر أن النفط الصخري دخل حلبة المنافسة بقوة مع النفط الأحفوري، ولكن أخالف وجهة النظر التي تقول إن النفط الأحفوري انتهى، وإن الدول المنتجة، وبالذات دول الخليج ستعود ــ سيرتها الأولى ــ إلى عصر التخلف والبدائية.

هذا الكلام مبالغ فيه إلى حد كبير، وأؤكد أن النفط الأحفوري وضع بصماته العميقة على الاقتصاد الدولي، وأن شركاته العملاقة وأصوله الضخمة وهياكله العتيدة تنتشر في كل أنحاء العالم، ولذلك ليس من السهولة إزاحته من قلب سوق البترول العالمية لمجرد أن الإنتاج من البترول الصخري تضاعف وسيتضاعف أكثر وأكثر!

إن العالم كله وحتى دول الخليج تبحث عن موارد جديدة ومتجددة للطاقة، ولا يضير دول الخليج أن يكون أحد الموارد الجديدة فيها هو النفط الصخري أو خلافه.

والموضوع كله لا يمكن حصره في زيادة إنتاج البترول الصخري دون النظر إلى الكثير من الموضوعات المتعلقة بسوق البترول، ونذكر ــــ على سبيل المثال ــــ أن تكلفة إنتاج البترول الصخري مقارنة بتكلفة إنتاج البترول الأحفوري ما زالت الأعلى، كذلك فإن الموضوع متعلق بسوق الطاقة ومدى قابليته لاستيعاب أكثر من مورد بترولي، أيضا ما زال هناك احتمال أن تتوصل التكنولوجيا الجديدة إلى وسائل تمكن البترول الأحفوري من المصالحة مع البيئة، كذلك الفرص ما زالت متاحة أمام دول الخليج لإنتاج البترول الصخري مثلها مثل أي دولة تبحث عن موارد جديدة للطاقة.

كذلك لا يمكن أن نستبعد العامل السياسي في سوق البترول عن الأسباب الاقتصادية، ولم يحدث في تاريخ البترول أن انفصل القرار السياسي عن أسعار البترول، بل إن مستوى أسعار البترول تحركه دائماً الأسباب السياسية وليس فقط العرض والطلب!

ولذلك يجب ألا نبالغ في إمكانية إحلال النفط الصخري محل النفط الأحفوري، ونستطيع بصورة عامة أن نقول إن الطلب على الطاقة سيشهد زيادة متواصلة، وستتواصل المنافسة بين البترول الأحفوري والبترول الصخري وغيرهما من موارد الطاقة.

الغريب أن بعض الاقتصاديين السعوديين ممن تطربهم جوقة الإعلام الغربي يتنبأون لدولهم الخليجية - بكل أسف - بالعودة إلى عهد ما قبل البترول، ويغيبون الخبرة الطويلة التي اكتسبتها السعودية من سوق البترول طوال ما يزيد على نصف قرن، وبهذه المناسبة فإن شركة أرامكو السعودية تقوم بمشاريع بترولية في داخل السوق الأمريكية، ونذكر ــــ على سبيل المثال ــــ إن شركة أرامكو تملك نصف مصفاة بورت آرثر، وهي أكبر مصفاة في العالم، وهذه المصفاة سوف تعتمد على جزء من إنتاجها على البترول السعودي، وهذا ما ألمح إليه وزير البترول في آخر تصريح له نشر في صحيفة ''الشرق الأوسط'' قال فيه إنه يتوقع زيادة الطلب على الخام السعودي في الأشهر المقبلة، وعلى الصعيد السياسي فإن اختزال العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة في بيع وشراء البترول، أمر يجافيه الواقع، فالعلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة هي علاقات استراتيجية عمرها أكثر من نصف قرن، وليست مجرد بيع وشراء سلعة واحدة، وإنما هي علاقات تؤسس لشراكة تقوم على مصالح مشتركة في مجالات كثيرة تصل حتى حدود الأمن القومي المشترك لكل هذه الدول مجتمعة.

وطالما أن ما يربط دول الخليج والولايات المتحدة علاقات استراتيجية مشتركة، فإن بيع وشراء البترول يمثل بنداً واحداً في قائمة طويلة من المصالح الأساسية المشتركة، يدخل فيها التعاون العسكري والتعاون الثقافي والتعليمي والتعاون التجاري، وقبل ذلك التعاون والتنسيق السياسي، ويكفي أن نقول إن الشركات الكبرى العاملة في التنقيب عن البترول في الشرق الأوسط وفي منطقة الخليج خاصة والتي تتعاقد بآلاف الملايين من الدولارات هي شركات أمريكية، كما أن الشركات متعددة الجنسيات ومعظم رؤوس أموالها أمريكية هي الشركات التي تضطلع بتنفيذ مشاريع البنى التحتية الأساسية في منطقة الخليج مقابل فواتير بمليارات الدولارات.

وإذا نظرنا بكل بساطة إلى الدور الأمريكي تجاه التهديدات الإيرانية لدول الخليج ندرك تماماً عمق العلاقات الاستراتيجية بين دول الخليج والولايات المتحدة التي تربطهما مصالح قومية مشتركة.

هذه أمثلة بسيطة للتعبير عن عمق العلاقات الأمريكية - الخليجية التي لا يمكن أن تحكمها عمليات بيع وشراء البترول.

ونعود مرة أخرى إلى تأكيد أن معركة البترول الصخري والغاز الصخري لم تحسم بعد، والولايات المتحدة ليست ساذجة حتى تعتبر أن بترول الشرق الأوسط، وبالذات البترول الخليجي قد انتهى، بل هي تدرك تماماً أن البترول جزء مهم في قضية كبرى تشغل كل دول العالم في هذه الأيام، وهي قضية الطاقة المتجددة.

وما زالت قضية نضوب البترول تشغل العالم، أقول نضوب البترول وليس فائضه، بل ما زالت الموارد الجديدة والمتجددة للطاقة محل جدل وخلاف دولي كبير.

ويجب أن نعي تماماً أن دولة بحجم وخبرة السعودية لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام تحديات تستهدف أهم مواردها المالية، وأمام خبراء المملكة وخبراء العالم الكثير من الخيارات لمواجهة جميع التحديات بالخبرة والحنكة والحكمة!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.