التركيز على بناء المصافي.. شح في أسواق الزيت

نعمت أبو الصوف
نعمت أبو الصوف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

منذ أزمة الديزل التي عصفت بأسواق المنتجات النفطية للفترة بين عامي 2004 و2008، تم تشغيل عدد كبير من المصافي المعقدة، على أثر قيام شركات صناعة التكرير بتركيز استثماراتها على رفع طاقات وحدات التكسير بأنواعها والتحسين. لكن وحدات التكسير والتحسين التي تم تشغيلها في حاجة إلى مقطرات ثقيلة لتحويلها إلى منتجات خفيفة أو متوسطة، مع قيام شركات التكرير بإيقاف أو تحديث المصافي الأقل تعقيدا، ما جعل أسواق زيت الوقود تعاني نقصا في الإمدادات في وقت ارتفع فيه الطلب على زيت الوقود.

على خلفية نقص الإمدادات وارتفاع الطلب على زيت الغاز ارتفعت أسعاره مقابل أسعار النفط الخام الحامضية (ذات محتوى كبريتي عال). حيث إن هوامش الأسعار أقوى الآن بنحو خمسة إلى عشرة دولارات للبرميل عما كانت عليه في كانون الأول (ديسمبر). الكثير من هذا التحول يعكس انخفاضا في معدلات تشغيل المصافي، هناك أكثر من ثلاثة ملايين برميل في اليوم من طاقات المصافي في حالة توقف في كل من أوروبا وآسيا - المحيط الهادئ. لكن الانتعاش الأخير في أسواق زيت الوقود جزء من عجز أكبر في أسواق المقطرات الثقيلة المتبقية بعد عملية التقطير. ذلك أن قيمة زيت الوقود بالنسبة لشركات التكرير كانت فوق متوسط معدلاتها التاريخية منذ نحو منتصف عام 2009.

على الصعيد العالمي، يتم تداول زيت الوقود منذ منتصف 2009 بنحو 90 في المائة من قيمة أسعار النفوط الخام الحامضية، مقارنة بـ 80 في المائة في الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2008. هذا الارتفاع في قيمة زيت الوقود يهدد اقتصاديات وحدات التكسير (التفحيم والتكسير الهيدروجيني) المكلفة.

لقد صممت المصافي الحديثة لتكسير زيت الوقود بالكامل وتحويله إلى منتجات عالية الجودة والقيمة أو تقليل إنتاجه بصورة كبيرة جدا. على سبيل المثال، مصفاة الجبيل في السعودية، وهي مشروع مشترك بين شركة أرامكو وشركة توتال الفرنسية بطاقة 400 ألف برميل في اليوم. عند تشغيل جميع وحداتها بالكامل في وقت لاحق من هذا العام ستقوم بتحويل جميع مخلفات التقطير الثقيلة الناتجة من الخام المعروف بخام العرب الثقيلArab Heavy Crude إلى منتجات أخف. كما أن مصفاة ميناء آرثر في ولاية تكساس التابع لشركة أرامكو وشركة شل بطاقة 600 ألف برميل في اليوم سيحذو حذوه. في العام الماضي قامت الهند ببناء نحو 100 ألف برميل في اليوم من طاقات التكسير بالتفحيم، هذه الطاقات ستعمل على خفض صادرات زيت الوقود بنحو 25 ألف برميل في اليوم، هناك نحو 50 ألف برميل في اليوم من طاقات التكسير بالتفحيم ستبدأ بالعمل هذا العام. أخيرا، لكن ليس آخرا، تقوم الصين ببناء مصاف جديدة تحوي طاقات تكسير لتحويل زيت الوقود إلى نواتج تقطير متوسطة لتتجنب أزمة ديزل خانقة جديدة.

الأهم من ذلك، على مدى العامين الماضيين شهدت إمدادات النفط الخام التي تحقق نواتج كبيرة من وقود الديزل انخفاضا. على سبيل المثال، دول منظمة أوبك في منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، التي هي في الغالب تنتج النفط الثقيل الحامضي، تنتج الآن نحو 1.2 مليون برميل في اليوم أقل مما كانت تنتجه قبل عام. في جنوب السودان، بعد توقف للإنتاج دام 15 شهرا تتم إعادة تشغيل نحو 350 ألف برميل في اليوم من النفط الخام الثقيل والحلو. كما أن حقل بنغلاي الصيني، الذي ينتج نحو 150 ألف برميل في اليوم من النفط الخام الثقيل والحلو تم فقط الآن إعادة تشغيله بعد توقف دام ما يقرب من عامين. في المقابل، ارتفع في العام الماضي إنتاج النفط الثقيل في كندا بنحو 160 ألف برميل في اليوم. في روسيا ارتفع إنتاج النفط الخام بنحو 110 آلاف برميل في اليوم في العام الماضي، لكن معظم الزيادة جاءت من حقول تحوي نفطا خفيفا من شرق سيبيريا.

إضافة إلى ذلك، فقدت أسواق زيت الوقود موردا رئيسا على خلفية العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على صادرات النفط الخام الإيراني التي دخلت حيز التنفيذ في العام الماضي. حيث إن شركة النفط الوطنية الإيرانية كانت تصدر قبل فرض العقوبات نحو 250 ألف برميل في اليوم من زيت الوقود معظمه كان عالي الجودة من ناحية اللزوجة والمحتوى الكبريتي. لقد أسهم فقدان هذا الكم الكبير من الإمدادات في نقص في زيت وقود عالي الجودة في الأسواق الآسيوية، ما اضطر شركات التكرير إلى مزج نواتج التقطير المتوسطة مع زيت الوقود متدني الجودة لتلبية متطلبات مواصفات وقود السفن والمعدات الأخرى، ما أدى إلى ارتفاع أسعار زيت الوقود الناتج لاستيعاب تكاليف المزج العالية هذه.

في الوقت الراهن يشهد الطلب على زيت الوقود بعض الانحسار، في عام 2012 ارتفع استهلك اليابان من زيت الوقود بنحو 130 ألف برميل في اليوم، على خلفية حادثة فوكوشيما وتعطل محطات الطاقة النووية، لكن في هذا العام بدأت محطات الطاقة بخفض استهلاك النفط لتوليد الطاقة. في الصين، شركات تكرير النفط المستقلة التي تقوم بمعالجة زيت الوقود تمتلك مخزونا كبيرا منه.

إن الارتفاع الأخير في الطلب على زيت الوقود لا يعني بالضرورة أن لديه الكثير من المستقبل، حيث إن الغاز الطبيعي الأنظف والأرخص ثمنا يحل محله في محطات توليد الطاقة الكهربائية. كما أن متطلبات المعاهدات البحرية تسعى إلى إجراء تخفيضات كبيرة في المحتوى الكبريتي لوقود السفن إلى درجة قد تتطلب في نهاية الأمر استخدام المنتجات الوسطية مثل وقود الديزل لتلبية هذه المتطلبات، لكن هذه المتطلبات هي للمدى المتوسط أكثر مما هي للمدى القصير. في الوقت الراهن، الزيادة الكبيرة والسريعة في طاقات وحدات التكسير تجاوز التراجع الطفيف في الطلب على زيت الوقود. موردو زيت الوقود يستفيدون من ارتفاع الطلب عليه للتخلص من بقايا نواتج التقطير.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.