هل سداد الرسوم في «السويس» بالجنيه يعزز قيمته؟

محمد إبراهيم السقا
محمد إبراهيم السقا
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة


يتعرض الجنيه المصري من بعد ثورة كانون الثاني (يناير) لضغوط شديدة نحو الانخفاض، حاول البنك المركزي امتصاص جانب من هذه الضغوط، فكانت النتيجة تراجع الاحتياطيات من النقد الأجنبي بشكل كبير على النحو الذي أصبح يهدد قدرة البنك المركزي على الحفاظ على قيمة الجنيه، على الأقل في الوقت الحالي.

من ناحية أخرى، حاولت مصر التحرك في أكثر من اتجاه لدعم الجنيه من خلال دعوة الأصدقاء إلى تقديم المساعدات المالية بالنقد الأجنبي، والتقرب إلى صندوق النقد الدولي لتدبير قدر من السيولة لامتصاص جانب من فائض الطلب الكبير على النقد الأجنبي في السوق المصرية، كما طرحت عدة مبادرات لزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي مثل بيع أراض سكنية للمصريين العاملين في الخارج بالدولار، ودعوة المصريين العاملين في الخارج للاستثمار في مصر، أو حتى للتبرع في حساب خاص بالنقد الأجنبي. كذلك طرح اقتراح أن تقوم مصر بتحصيل رسوم المرور في قناة السويس بالجنيه المصري، بدلا من العملات الأجنبية ليزيد الطلب الخارجي عليه وترتفع قيمته بالنسبة للعملات الأجنبية، خصوصا الدولار الأمريكي وهو موضوع مقالي اليوم، فهل لو قامت مصر بذلك فإن وضع الجنيه المصري سيتحسن؟

قبل أن أتناول الموضوع بالتحليل لا بد من الإشارة إلى أن إيرادات مصر من قناة السويس قدرت في عام 2012 بنحو 5.2 مليار دولار، أو ما يوازي نحو 36 مليار جنيه مصري بسعر صرف الدولار حاليا، وهي في مجموعها تمثل نسبة لا تزيد على 3 في المائة من إجمالي عرض النقود بمفهومه الواسع، والذي يتجاوز تريليون جنيه مصري في عام 2012، فهل يمكن أن يترتب على زيادة الطلب على الجنيه المصري بهذه النسبة من عرض النقود في الدولة تأثير جوهري في قيمة الجنيه؟

المعضلة الأساسية في تقديري هي أن قيمة الجنيه في الوقت الحالي لا تعتمد بصورة أساسية على الطلب الخارجي عليه، بقدر ما تعتمد على فائض الطلب على العملات الأجنبية، بصفة خاصة الدولار في سوق النقد الأجنبي في مصر، والذي يعد المسؤول الأول عن تراجع معدل صرف الجنيه، وبمعنى آخر فإن ما تحتاج إليه مصر حاليا لدعم قيمة الجنيه ليس زيادة الطلب على الجنيه المصري، وإنما زيادة العرض من مصادر النقد الأجنبي في مصر.

تتمثل مصادر النقد الأجنبي الرئيسة في مصر وفقا لتقديرات عام 2012 في أربعة مصادر وهي: صادرات السلع التي تقدر بنحو 27 مليار دولار، وإيرادات قناة السويس، وإيرادات السياحة والمقدرة بنحو 9.4 مليار دولار، وتحويلات العاملين المصريين في الخارج والمقدرة بنحو 9.4 مليار دولار، وبشكل عام يبلغ إجمالي تقديرات إيرادات النقد الأجنبي في الحساب الجاري نحو 47.8 مليار دولار، في الوقت الذي تقدر فيه مدفوعات مصر في حسابها الجاري من النقد الأجنبي للسنة نفسها بنحو 74.2 مليار دولار، وهو ما يعني أن إيرادات قناة السويس تمثل نحو 11 في المائة من الإيرادات الجارية بالنقد الأجنبي، ونحو 7 في المائة من إجمالي المدفوعات الجارية بالنقد الأجنبي، ووفقا لهذه التقديرات فإن هناك فجوة في النقد الأجنبي في الحساب الجاري لمصر تقدر بنحو 26.3 مليار دولار، يتم تمويلها من خلال تدفقات رؤوس الأموال إلى الداخل بأشكالها المختلفة سواء لأغراض الاستثمار المباشر أو الاستثمار في سوق الأوراق المالية أو القروض والتي تسجل في حساب رأس المال، فضلا عن المساعدات الخارجية.

أعود الآن إلى السؤال الأساسي وهو لماذا لا يجب أن تكون رسوم المرور في قناة السويس بالجنيه المصري؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من منطقية التحليل من حيث الشكل، إلا أنه خطأ من حيث المضمون، لأن مثل هذا المقترح يضر بالجنيه المصري أكثر مما يفيده كما يتصور البعض، فمصر كما هو واضح، لكي تحافظ على قيمة الجنيه تحتاج إلى سداد التزامات حسابها الجاري، أي إلى أن تكون لديها موارد أكثر بالدولار تمكنها من سداد فجوة النقد الأجنبي المشار إليها، وعندما تفرض مصر سداد رسوم المرور بالجنيه المصري فإن فجوة النقد الأجنبي في الحساب الجاري ستزداد نتيجة نقص عرض الدولار، مما يزيد الضغوط على الجنيه المصري نحو الانخفاض، وهو ما يتنافى مع الهدف الأساسي للمقترح.

قد يقول قائل إنه في حال فرض دفع رسوم المرور بالجنيه المصري فإن شركات النقل البحري ستضطر إلى شراء الجنيه المصري بالعملات الأجنبية والتي ستضاف إلى رصيد العملات الأجنبية في سوق النقد الأجنبي المصري، وهو ما يثير نقطة في غاية الأهمية وهي من أين ستتم عملية تدبير الجنيه المصري لشركات النقل البحري؟ ما لم يشترط أن تقدم شركات النقل مستندا يفيد بأنها قامت بتحويل الرسوم من خلال بنك مصري أو من خلال البنك المركزي، الأمر الذي يؤدي إلى تعقيد لا داعي له في إجراءات سداد الرسوم، فإن الشركات يمكنها تدبير الجنيه المصري من أسواق النقد الأجنبي في الخارج، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لعمليات تهريب الجنيه للخارج لتمويل العمليات غير المشروعة في مصر مثل استيراد المخدرات أو غسيل الأموال أو نحو ذلك، الأمر الذي يضر بالجنيه على نحو أكبر.

من ناحية أخرى، قد يقول البعض لماذا لا نفرض رسوم المرور بالجنيه المصري، ثم يطلب من شركات النقل أن تدفع المقابل لها بالدولار حسب السعر السائد للجنيه في البنك المركزي؟ مرة أخرى فإن هذا الإجراء، فضلا عما يسببه من تعقيد في إجراءات المرور، سيكون في غير صالح مصر، ذلك أن قيمة الجنيه المصري على المدى الطويل لها اتجاه واحد وهو النزول، وهو ما يعني أن حساب الرسوم بالجنيه المصري وطلب الدفع بالدولار بمعدل الصرف الرسمي السائد لدى البنك المركزي سيؤدي إلى أن الشركات ستدفع دولارات أقل في مقابل العبور، أي أنه وفقا لهذا المقترح ستنخفض إيرادات المرور في قناة السويس ــــ بالدولار ـــ على المدى الطويل، أو ستضطر مصر إلى تعديل رسوم المرور في القناة بالجنيه المصري مع كل تراجع يحدث في قيمته.

ينبغي أيضا أن يؤخذ في الاعتبار أن قناة السويس تعد ممرا عالميا، بمعنى أن الخدمة التي يتم تقديمها لكافة الناقلات التي تمر به من جميع دول العالم هي خدمة دولية، ومن المعلوم أن السلع والخدمات الدولية يتم بيعها وتسعيرها بعملة دولية مثل الدولار، والجنيه المصري ليس عملة دولية، وغير متوافر خارج مصر بالكميات المناسبة لدفع رسوم المرور، وبالتالي فإنه عندما تفرض مصر على شركات النقل البحري في العالم ضرورة أن يتم دفع رسوم المرور بالجنيه المصري، فإنها ستحمل هذه الشركات عبئا إضافيا يتمثل في تكلفة تدبير هذه العملة، وذلك مقارنة بالوضع عندما يتم دفع رسوم المرور بعملة دولية متاحة ومتوافرة في جميع أنحاء العالم بسهولة مثل الدولار.

وأخيرا فإن نجاح مصر في رفع قيمة عملتها لا يتم بالقرارات الإدارية مثل هذا القرار، وإنما برفع مستوى تنافسيتها الخارجية من خلال معطيات اقتصادها الحقيقي بزيادة قدرتها على تعبئة موارد النقد الأجنبي، وهذه نقطة مهمة جدا، فطالما كان هيكل الاقتصاد ضعيفا، فلن ترتفع قيمة العملة بقرار مثل هذا، في المقابل عندما يكون لدى مصر جهاز إنتاجي فعال، وصادرات تنتشر عبر أسواق العالم، وقطاع خدمات كفء، وبنية تحتية حديثة، فإن ذلك سيعزز قيمة الجنيه على المدى الطويل.

الخلاصة: ليس من المنتظر أن يترتب على فرض رسوم المرور في قناة السويس بالجنيه المصري حدوث ارتفاع في قيمته، كما أنه ليس من مصلحة مصر أن يتم الدفع بالجنيه المصري، لأنها بمثل هذا القرار ستستبدل عملة صعبة مثل الدولار بعملة سهلة مثل الجنيه المصري، والأفضل لمصر أن يستمر دفع رسوم المرور بالنقد الأجنبي.

*نقلا عن الاقتصادية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.