.
.
.
.

التحكم في الإيجارات

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:


تحديد مستويات أو تغيرات الإيجارات هو شكل من أشكال التحكم في الأسعار. ويتم التحكم في أسعار السلع والخدمات إما بتثبيتها لفترة زمنية معينة أو بصورة مطلقة، أو بوضع آلية معينة لحركة الأسعار، وذلك بتحديد مقدار أو نسبة تغيرها حسب الزمن ونوع السلعة ومستخدميها. وقد حاولت العديد من دول العالم التي واجهت معدلات تضخم مرتفعة تطبيق سياسات تثبيت الأسعار أو التحكم فيها على مستوى شامل. وقد أثبتت تلك السياسات فشلها على الأمد الطويل، حيث قادت سياسات تثبيت الأسعار عند مستويات تقل عن أسعار السلع أو الخدمات الحرة إلى إهدار استهلاكها، واختفائها التدريجي من الأسواق، وتردي نوعيتها، وخفض معدلات النمو في إنتاجها. وقد أثبتت تجربة الدول الاشتراكية فيما كان يسمى الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية فشل سياسة التحكم في الأسعار في تحقيق الازدهار الاقتصادي، حيث قادت سيطرة الدولة على الأسعار إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على الأمد الطويل. ولم يمنع فشل سياسات التحكم في الأسعار العديد من دول العالم عند مرورها بظروف طارئة من تقنين بيع وتوزيع السلع والخدمات الأساسية، ووضع قيود على أسعارها واستهلاكها لفترات زمنية مؤقتة. وكان الهدف من وراء ذلك الحد من استغلال المضاربين ومزودي السلع والخدمات السيئ للظروف العابرة، وحماية الشرائح السكانية منخفضة الدخل من الابتزاز خلال الظروف الصعبة.

ويقل التمييز بين نوعيات السلع وماركاتها عند تحديد سعر أي سلعة أو خدمة، ما ينتج عنه انخفاض أسعار الماركات والنوعيات عالية الجودة من السلعة أو الخدمة، واختفاؤها من الأسواق، ورواج الأنواع الرديئة التي تقل أسعارها الحرة عن الأسعار المثبتة. وتظهر السلع والخدمات ذات النوعية الجيدة أو الماركات المميزة في أسواق موازية أو أسواق سوداء ترتفع فيها الأسعار إلى المستويات الحرة أو تزيد عنها، بسبب ارتفاع مخاطر تسويقها. وستنخفض نتيجةً لتثبيت الأسعار الأرباح الناتجة عن تسويق السلع والخدمات المحددة أسعارها، ما قد يُخرج الكثير من منتجيها المحليين ويوقف الكثير من وارداتها. وقد نتج عن سياسات تثبيت الأسعار لفترات طويلة اختفاء للسلع والخدمات المثبتة أسعارها مع مرور الوقت، ما فاقم معاناة الشرائح السكانية المستهدفة من تثبيت الأسعار. ويشجع تثبيت أسعار السلع عند مستويات متدنية إلى زيادة استهلاكها وخروج أنماط جديدة من الاستهلاك للسلع المدعومة، فالغذاء المدعوم بقوة من أجل الاستهلاك البشري مثلا يصبح غذاء لتسمين الحيوانات.

وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية يفاقم من معاناة الشرائح السكانية منخفضة الدخل إلا أنه في الوقت نفسه يشجع على دخول منتجين جدد إلى إنتاج هذه السلع، كما أنه يخفض كميات الاستهلاك. وسيقود ارتفاع أسعار الإيجارات إلى الضغط على دخول الشرائح السكانية منخفضة الدخل إلا أنه يشجع في الوقت نفسه على الاستثمار في العقار ويوفر المزيد من المساكن مع مرور الزمن. وقد استخدمت مصر سياسة التحكم في أسعار الإيجارات لفترات زمنية طويلة التي كانت منحازة للمستأجرين، ما تسبب في تراجع الاستثمارات العقارية ونشوب أزمة سكن ازدادت حدتها مع مرور الوقت، كما تردت نوعية المساكن المستأجرة وأضحى الكثير من البنايات المحدد إيجارها آيلاً للسقوط، والحال يسري على كل الدول التي تحكمت في أسعار الإيجارات. وعموماً ينبغي أن تتجنب الدول سياسات التحكم في الأسعار على الأمد الطويل، ولكنها قد تضطر إلى استخدام سياسة التحكم في أسعار سلع وخدمات أساسية كالإيجارات لفترة زمنية محدودة، وذلك للحد من الارتفاع المفرط في أسعارها، الذي قد يأتي نتيجةً لطفرة مؤقتة في النشاط الاقتصادي أو لمعضلات في إنشاء الوحدات السكنية أو سياسات الإسكان. ويمكن أيضا وضع آلية معينة للتحكم في الإيجارات خلال الأزمات من خلال وضع حدود قصوى لمقدار الزيادات السنوية في الإيجارات "5 في المائة مثلاً"، أو منع الزيادات المفاجئة في الإيجارات من خلال وضع حد أدنى للإبلاغ عن زيادة الإيجارات "مثلاً ستة أشهر" لمنح المستأجرين فرصة للبحث عن سكن بديل.

وتمر دول الخليج ومن ضمنها المملكة بطفرات اقتصادية ينتج عنها ضغوط على الإيجارات، بسبب انخفاض عدد الوحدات السكنية مقارنةً بالطلب عليها، ويتطلب توازن عرض المساكن مع الطلب عليها تبني وتنفيذ سياسات داعمة لإنشاء المساكن التي تستغرق بضع سنوات، ولهذا ترتفع الإيجارات بحدة في فترات النمو الاقتصادي القوي، ما يستدعي حماية المستأجرين عن طريق وضع قيود مؤقتة على حركة الإيجارات حتى يعود التوازن بين عرض المساكن والطلب عليها. ويمكن التحكم المؤقت في أسعار إيجارات المساكن المنشأة قبل الأزمات، أما المساكن الجديدة فينبغي ترك الأسواق لتحديد إيجاراتها، ما سيشجع على زيادة وتيرة إنشاء المساكن والرغبة في تملكها. كما ينبغي أن يقتصر التحكم المؤقت في الإيجارات على الوحدات السكنية التي تستخدمها الشرائح السكانية منخفضة ومتوسطة الدخل، أما السكن الفاخر فمن العبث التحكم في أسعاره.

*نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.