.
.
.
.

صادرات إيران التي تدفع ثمنها

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

"الحقيقة تحمل معها الخراب أيضًا"
بيل واترسون مؤلف أمريكي

بالتأكيد، لعلي خامنئي مرشد ''الثورة'' في إيران، القدرة على إبعاد من لا يريد في الانتخابات الرئاسية الإيرانية. ولا شك في أنه يُبعد ويعزل، حسب القائمة التي توصل إليها مع ''المهدي المنتظر''، الذي قيل سابقًا إنه يتواصل معه بكل وسائل الاتصال، بما في ذلك الرسائل النصية والهاتف النقال! وبالطبع دون تحديد لشبكة الاتصالات التي يستخدمها. المهم أن رصيده يكفي، ورصيد المهدي يغطي. وبالتأكيد أيضًا، سيصل إلى الرئاسة الإيرانية من يقبله خامنئي. فالديمقراطية في إيران أصلها خمينية لا إغريقية. تبدأ من عند المرشد وتنتهي في أحضانه. وفي أسوأ السيناريوهات الحرس ''الثوري'' جاهز لإقرار ''الديمقراطية'' وتثبيتها. لماذا نذهب بعيدًا؟ سيناريو انتخابات عام 2009 ما زالت مشاهده تعرض نفسها بأشكال مختلفة.

لكن هذه القدرة الطاحنة للديمقراطية والحقيقة لا قيمة لها أمام الاستحقاقات الاقتصادية التي تواجه الرئيس ''الخامنئي'' المقبل. لا المرشد ولا زميله المهدي الضائع ولا الحرس الثوري ولا فيلق القدس، ولا كل المخبرين والمتجسسين، يمكنهم أن يغيروا المشهد الاقتصادي والمعيشي المستحق أو ذاك الذي استحق. ففي هذه الساحة لا تسود إلا الأرقام، ولا تظهر إلا عواقبها، ولا مكان لا للترغيب ولا الترهيب. كما أنه لا مساحة في الساحة لعمليات تجميل. فالحقيقة أبشع من أن تُجمل أو حتى تُخبأ. وليس أمام هذا الذي سيأتي ''ببركات'' خامنئي إلا مواجهتها. ومن هنا، يبدو أولئك الذين يطالبون مرشحي الرئاسة في إيران ببرامج لنجدة الاقتصاد يعيشون خارج الواقع بالفعل، أو أنهم يطلبون لمجرد الطلب فقط. لا توجد أجوبة. وكل ما يجري الآن أن المرشحين يتبارون ويتناطحون في الحديث عن أزمات الاقتصاد، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على تقديم حل لأزمة واحدة منها. فالذي يقدم الحلول ينبغي له أن يمسك ولو بمفتاح واحد لها، في حين أن المفاتيح مفقودة (ربما مع المهدي) والأقفال ضائعة.

مع المليارات التي أنفقها نظام الملالي لتصدير الثورة ولشراء ''جيوب'' إقليمية طوال السنوات، ولإنشاء العصابات المسلحة، ولتكوين الميليشيات الإرهابية، ولتجميع الخلايا النائمة، اكتشف أنها بلا عوائد، بل إن بعض عوائدها بات يأتي معاكسًا لاستراتيجية ''الاستثمار''. وهذا النوع من ''التصدير''، هو الوحيد الذي يدفع المُصَدِّر ثمنه! ورغم خسارة هذه ''الصادرات'' التي لا تحتاج إلى خبير اقتصادي لاستشرافها، إلا أن هذا النظام لا يزال مصرًّا على المضي في التصدير وتحمل الخسائر، إلى جانب (طبعًا) حماية صادراته! والحماية تستوجب الإنفاق في الحالة الطبيعية، فكيف الحال، وهي تمر بأسوأ حالاتها؟

ومع تصاعد العقوبات الغربية على إيران، لا يريد خامنئي الاعتراف بأن اقتصاد بلاده على شفا الانهيار، وأن المصائب التي كبل بها البلاد تسير بها إلى الخراب، وأن ''رئيسه'' المقبل سيكون متفرجًا على كوارث اقتصادية داخلية متجددة. ففي حين يتم التضييق (على سبيل المثال)، على صادرات النفط الإيرانية بصورة مؤذية بلا حدود، يظهر وزير مالية خامنئي ليتوعد العالم، بأن الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن تصعيد العقوبات على النفط، وستتسبب تداعيات هذه العقوبات في تعطيل سوق النفط وليس إيران! وفي الوقت الذي يبلغ فيه حجم الخسائر المالية نتيجة للعقوبات والحظر خمسة مليارات دولار شهريًّا، يحصل سفاح سورية بشار الأسد، على إمدادات مالية إيرانية تبلغ سبعة مليارات دولار.

المرشحون لانتخابات الرئاسة الذين وردت أسماؤهم في قائمة خامنئي- المهدي، يعترفون علنًا بأن البلاد تحتاج وبصورة فورية إلى توفير أكثر من مليون فرصة عمل، لا لحل مشكلة البطالة، بل لاستقرار معدلها. ويقول حسن روحاني الذي يوصف بأنه محافظ معتدل، إن 800 ألف شاب من حملة الشهادات مستعدون لدخول سوق العمل، لكن ليس لديهم أي أمل في ذلك. ويعترف بعض المرشحين بأن قيمة الريال تدهورت أمام الدولار الأمريكي بنسبة 70 في المائة، وأن نسبة التضخم بلغت أكثر من 30 في المائة، علمًا بأنها في الواقع أعلى من ذلك بكثير، وكذلك الأمر في معدلات البطالة. في ظل هذا المشهد، تراجعت عوائد النفط الإجمالية إلى النصف، بعدما كانت في 2011-2012 قد بلغت أكثر من 100 مليار دولار.

الوضع الاقتصادي والمعيشي المأساوي في إيران ينتقل من رئيس إلى آخر، بأشكال أكثر سوءًا وفداحة. ومن حسن حظ أولئك الذين أبعدهم خامنئي عن الساحة الانتخابية أن يكونوا خارج هذه الساحة، بصرف النظر عن طبيعة ''اعتدالهم'' وتفهمهم للحالة العامة. والحلول الناجعة لن تأتي عبر أوامر خامنئي وشعاراته، كما أنها لن تظهر في ظل استراتيجية العناد والتطرف وتحدي الحقيقة، وإعلان مواقف باتت مثارًا للسخرية، حتى عند الذين ينجحون في إيجاد شيء ما في هذه الثورة. فبدلًا من تصدير ثورة يصعب بيعها بصورة طبيعية حتى في بلد المنشأ، ليس على خامنئي سوى ''استيراد'' الواقع والتعاطي معه بكل حقائقه. بالتأكيد لا أمل في ذلك، طالما أنه سيعيش إلى أن تحين نهايته، تلك الحالة الوهمية التي تجمعه، سلكيًّا ولا سلكيًّا بالمهدي الضائع!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.