.
.
.
.

المصرفية الإيرانية وشبح الانهيار

محمد بن ناصر الجديد

نشر في: آخر تحديث:

إن احتمالية رؤية المستهدفات النووية الإيرانية النور لن تأخذ حقها من الاستدامة. والسبب الرئيس خلف ذلك أن هذه المستهدفات النووية سترتكز على سياسة مالية هشة وقطاع مصرفي مهدد بالانهيار. تقودنا هذه المؤشرات الاقتصادية إلى النظر في طبيعة النظام المصرفي الإيراني ومؤشراته المالية. تشير وحدة المعلومات الاقتصادية البريطانية إلى تراجع مؤشرات الاقتصاد الإيراني خلال الأعوام الخمسة الماضية وتوقعات بنمو متواضع خلال الأعوام الخمسة المقبلة. فعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني يمثّل ثاني أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن عددا من سياساته المالية لم ترتق لمستوى تطلعات صانع القرار الاقتصادي الإيراني.

من الأمثلة على ذلك أن نتائج سياسة معالجة التضخم المرتفع منذ العقد الماضي لم تستطع حصر معدل التضخم عند مستويات مقبولة. تشير وحدة الأبحاث الاقتصادية في المفوضية الأوروبية إلى نمو معدل التضخم من 18.4 في المائة نهاية 2007 إلى 19.6 نهاية 2010. كما تشير وحدة المعلومات الاقتصادية البريطانية إلى أن مساهمة قطاع الصناعات التحويلية كانت قرابة 44.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي نهاية 2007 بعد أن كانت في حدود 28.7 في المائة نهاية 1990. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن المصدر ذاته توقّع أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي الإيراني معدل نمو سنوي يقارب 2.4 في المائة فقط خلال الفترة 2011 ـــ 2015.، ومعدل نمو متواضع مقارنة بالمعدل السنوي المحقق خلال الفترة 2006 ـــ 2010، البالغ قرابة 1.75 في المائة.

تقودنا هذه المؤشرات الاقتصادية إلى النظر في طبيعة النظام المصرفي الإيراني ومؤشراته المالية. فشهد هذا القطاع موجة تأميم نهاية السبعينيات الميلادية مع قيام الثورة الإيرانية، فإعادة هيكلة بما يوجهها للعمل ضمن نظام مصرفية إسلامية شاملة بصدور نظام المصرفية الإسلامية في 1983. ثم شهد هذا القطاع موجة تخصيص مطلع العقد الماضي، أعقبها فتح المجال للتوسع في إنشاء مصارف تجارية جديدة نهاية العقد الماضي.

أسهمت مجموعة هذه التطورات في إيجاد 28 مصرفا وقرابة سبعة آلاف مؤسسة تمويلية غير مصرفية موزعة بين أربعة مصارف تجارية حكومية، وأربعة صناديق إقراض حكومية، و16 مصرفا تجاريا خاصا، وأربعة مصارف تجارية خصصت حديثاً, و3500 مؤسسة تمويل متناه في الصغر، و1500 اتحاد تمويل نقابي، وألفي مؤسسة غير ناشطة. يضاف إلى ذلك مصرفان استثماريان، وقرابة 110 شركات وساطة مالية، و48 شركة استثمارية، وألف إلى 1500 مؤسسة تحويل أموال.

من السياسات المهمة المتبعة في النظام المصرفي الإيراني التوزيع البيني لنشاط التمويل بين القطاعات الرئيسة في الاقتصاد. حيث حدد مجلس التمويل والمال الإيراني المسؤول عن وضع التشريعات الائتمانية ومراقبة تنفيذها، السقف الأعلى للملاءة المالية بمقدار 80 في المائة من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي. توزّع هذه الملاءة بواقع 37 في المائة لقطاع الصناعات التحويلية، و25 في المائة للقطاع الزراعي، و20 في المائة لقطاع الإنشاءات والإسكان، و10 في المائة للتجارة، و8 في المائة لنشاط التصدير.

جودة تنظيرية لم تستطع فرض التجانس بين معدلات الإقراض والإيداع على أرض الواقع. يشير تقرير المراجعة الأخير الصادر من صندوق النقد الدولي إلى تواضع التجانس بين هذين المعدلين خلال العقد الماضي. حيث تراجع معدل الإقراض من قرابة 18 في المائة في 2001 إلى 12 في المائة في 2010. قابل هذا التراجع وتيرة نمو في معدل الإيداع من قرابة 7 في المائة في 2001 إلى 12 في المائة في 2010. تزامنت هذه التطورات مع تذبذب حاد في معدل التضخم بلغ ذروته في 2008 عند قرابة 24 في المائة.

يكمن حجر الزاوية هنا في كفاءة المحافظ التمويلية في القطاع المصرفي الإيراني. تشير ورقة عمل صدرت العام الماضي في مجلة العلوم المالية من قبل أستاذين في جامعة أصفهان ومصرف إيران المركزي إلى وصول حجم الديون غير العاملة في النظام المصرفي الإيراني إلى مستويات خارج السيطرة. حيث كان هذا المعدل من إجمالي المحافظ التمويلية قرابة 30 في المائة في 2003، فـ 104 في المائة في 2004، فـ 70 في المائة في 2006، فـ 23 في المائة في 2009، فـ 25 في المائة في 2010، وممثلة قرابة 50 مليار دولار من إجمالي المحافظ التمويلية. وما يزيد من الأمر تعقيداً تمركز هذه الديون في ثلاثة من أكبر المصارف التجارية المخصصة حديثاً.

إن معضلة تنامي الديون غير العاملة الإيرانية لن تعمل فقط على إضعاف أصول المصارف الإيرانية، ولكن ستمهد الطريق نحو انهيار النظام المصرفي الإيراني. انهيار سيرمي بظلاله على التجارة الدولية الإيرانية التي نتعرف على ملامحها من إحصاءات المركز الأسترالي لمراقبة المخزون النفطي على أكبر خمس دول تستهلك صادرات النفط الإيراني. حيث تأتي الصين بـ 22 في المائة، فاليابان بـ 13 في المائة، فالهند بـ 12 في المائة، فكوريا الجنوبية بـ 9 في المائة، فتركيا بـ 8 في المائة، فإيطاليا بـ 7 في المائة.

كما تشير وحدة الأبحاث الاقتصادية في المفوضية الأوروبية إلى أنه بنهاية 2010، فإن أكثر الواردات الإيرانية تأتي من الإمارات بنسبة 34 في المائة، فالاتحاد الأوروبي بنسبة 21.5 في المائة، فالصين بنسبة 8.7 في المائة. أما أكبر شركاء التبادل التجاري مع إيران فيأتي الاتحاد الأوروبي باستحواذه على 19.3 من الميزان التجاري الإيراني، فالإمارات بنسبة 14.3 في المائة، فالصين بنسبة 13.7 في المائة.

حراك تجاري دولي متين مهدد بالفراغ الاقتصادي عند احتمالية عجز السياسة النقدية الإيرانية عن معالجة معضلة الديون غير العاملة، ومن ثم انهيار قطاعها المصرفي. فراغ من الأهمية العمل لاستثماره اقتصادياً بما يضمن استدامة الحراك التجاري الدولي الإقليمي بعيون سعودية هذه المرة، متى ما استثمرت الاستثمار الأمثل. استثمار وطني طموح يضعف المد الإيراني كأحد تحديات اقتصادنا السياسي ويوطّد قنوات التجارة الدولية السعودية كإحدى فرص استدامة الاقتصاد السعودي.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.