هيئة الاتصالات والموازنة بين الضبط الاجتماعي والحرية الفردية

عدنان بن عبد الله الشيحة
عدنان بن عبد الله الشيحة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

المعضلة التي تواجه المنظمات الحكومية هي محاولة الموازنة بين المصلحة العامة بمفهومها الجماعي والمنفعة المشتركة من جهة والحرية الفردية التي هي نفسها مكون أساس من المصلحة العامة من جهة أخرى. فالأجهزة الحكومية مطالبة بالحفاظ على الاستحقاقات الوطنية وأهمها الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وفي الوقت ذاته ضمان مساحة من حرية التعبير للأفراد.

والمتأمل لمفهوم السلطة العامة يجد أنها في أصلها تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم من أجل الإدارة العامة والضبط الجماعي الذي لا يستطيع الأفراد التمتع بحرياتهم إلا من خلاله! وهو ما يعرف بالعقد الاجتماعي، فالأفراد بنزعتهم الطبيعية يقدمون مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة، ما يجعل من الصعب تعايشهم والتعامل فيما بينهم دون طرف ثالث ''سلطة عامة'' يحكم تصرفاتهم ويمنعهم من التعدي على بعضهم بعضا وصدهم عن ارتكاب تصرفات غير رشيدة تدفعهم إليها أنانيتهم وحب الذات ونظرتهم الضيقة لمفهوم المصلحة.

وربما كان أبسط مثال للعقد الاجتماعي وتنازل الأفراد عن حرياتهم من أجل السلطة العامة وقوفهم عند الإشارة المرورية عندما تضاء حمراء! وهي أيضا توضح كيف أنهم يتصرفون بأنانية مفرطة وبسلوك غير رشيد عندما لا تعمل الإشارة المرورية، فتراهم يتسابقون فيما بينهم لاستخدام الطريق دون ترتيب وبالتناوب، والنتيجة فوضى عارمة تجتاح الطريق ليتوقف السير تماما إلى حين يصل رجال المرور ''السلطة العامة'' ويقومون بتنظيمهم.

قرار هيئة الاتصالات بتطبيق اشتراطات على مزودي خدمات التواصل الاجتماعي يأتي في سياق الموازنة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. لذا فمن المفترض أن يكون قرارها انعكاسا لضرورة وأولوية وطنية وتحقيقا لمصالح عليا. فالهيئة كسلطة عامة مسؤولة عن الحفاظ على السلم الاجتماعي والمنافع الجماعية وفي الوقت ذاته الاستجابة لمصالح الأفراد.

وأخشى أن الكثيرين في المجتمع يستعجلون بأحكام مسبقة وبنهج انتقامي وليس انتقاديا في تفويت الفرصة بفهم القرار في سياق المصلحة الوطنية بمفهومها الواسع كشرط لتحقيق المصالح الفردية. لقد اعتاد أكثر الناس في ظل الإعلام الجديد على الاستعجال في إطلاق أحكام تعكس حالة من التشنج والإحباط والسعي في نشر الشائعات والخوض في موضوعات عامة من باب التشفي، وبالتالي تصوير القرار على أنه صدر فقط ليحد من حريات الأفراد للتواصل وتحجير التعبير وصناعة الرأي العام والرؤية المشتركة في دائرة ضيقة.

وقد يكون ذلك الطرح في ظاهره وللوهلة الأولى صحيحا، لكنه بكل تأكيد لا يعكس كامل الحقيقة، وكان لا بد من فهمه من منطلق أن الهيئة كسلطة عامة ملزمة بالموازنة بين الاستجابة لاحتياجات الأفراد وتحقيق رغباتهم وتطلعاتهم وفي الوقت ذاته الحفاظ على الأمن الوطني والاستقرار والضبط الاجتماعي. الموازنة بين الاستجابة لمتطلبات الأفراد والحفاظ على المصلحة العامة أمر في غاية الصعوبة ويتطلب من الجميع مسؤولين وعموم حساسية عالية وفهما عميقا ودراية وتحليلا شاملا للمعطيات على الساحة الداخلية والتغيرات والمستجدات العالمية ورؤية مشتركة. والناظر بتمعن لما يدور حولنا من أحداث وأوضاع غير مستقرة وأن هناك من يتربص بنا الدوائر يدرك تماما أن علينا كمجتمع أخذ الحيطة والحذر والعمل على تعميق وتعزيز والحفاظ على اللحمة الوطنية والاستقرار التي بات الإعلام الجديد يهددها بخلق تصورات ذهنية غير حقيقية تربك المجتمع وتقلل من ترابطه وتجعل هناك حالة من الشك في الهوية الوطنية وربما أدت إلى إضعاف الجبهة الداخلية، خط الدفاع الأول. إلا أنه في الوقت نفسه لا بد من التفكير بطريقة جديدة في إدارة المجتمع وتفعيل المجالس النيابية ''الشورى، المناطق، المحلية، والبلدية'' لتكون وسائل للتعبير الجماعي المؤسسي والتعرف على الرأي العام والتوجهات العامة.

تطوير عملية صنع القرار العام عنصر أساس في الترابط الاجتماعي ويقوي المناعة الاجتماعية إن صح التعبير على مواجهة التحديات التي لا يمكن التصدي لها بسياسة المنع فقط، ويجب إدراك أن المجتمع أصبح أكثر نضجا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا وبات سقف التوقعات عاليا وتغير نمط استهلاكه واحتياجاته، وبالتالي لا بد من إيجاد وسائل جديدة تتناسب مع المعطيات الجديدة على الساحتين الداخلية والخارجية. لقد أصبح من الضروري الالتفات إلى جذور المشكلة والتعامل معها بشفافية وانفتاح تام لوضع حلول ناجعة بدلا من معالجات لحظية هي فقط ردود أفعال عاطفية لا تلبث أن تتلاشى في مهب ريح التغيرات العالمية والتحديات الخارجية.

تقوية الجبهة الداخلية واللحمة الوطنية وتعزيز نعمة الأخوة في المجتمع هي الضامن -بعد الله- في التصدي للمتربصين من أعداء الوطن في الداخل والخارج ممن يرفضون المشترك الوطني ويعملون على تقويض الثوابت الوطنية التي هي أساس كينونتنا ومدار هويتنا. يجب أن يعي الجميع، مسؤولون وعموم، أننا في السفينة نفسها، وأن على الجميع الحفاظ على توازنها والحرص على العبور بها هذا البحر اللجي المتلاطم الأمواج من التغيرات السريعة والوصول بها إلى شاطئ الأمان، وهذا يقتضي بالضرورة الموازنة بين الحرية الفردية والمصلحة العامة. إن من حق الوطن علينا الحفاظ على تماسكه واحترام ثوابته والدفاع عن مكتسباته والولاء التام، ومن حقنا على الوطن منحنا الحرية وتحقيق العدالة وتوفير العيش الكريم. فهل يرى المسؤولون أهمية حرية التعبير؟ وهل يرى العموم أولوية الضبط الاجتماعي؟ هذا هو المطلوب!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.