مسارات إعادة هيكلة سوق العمل

عبد العزيز الغدير
عبد العزيز الغدير
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أحمد الله كثيراً، فقد تم الاتصال بأبنائي وبناتي العاطلين عن العمل من قبل شركات القطاع الخاص وتم تعيينهم بشكل سريع وبرواتب لا بأس بها كبداية، خصوصاً أنهم في مرحلة التدريب، وذلك بعد أن انطلقت حملة الجوازات الأخيرة التي عززت تأثير برنامج ''نطاقات'' في معالجة مشكلة البطالة، حيث زاد المعروض من الوظائف المناسبة للسعوديين الذين باتت نسبتهم حاسمة في حصول الشركات على حاجتها من غير السعوديين في مجالات معينة.

كان هذا قول أحد الأصدقاء الذي خالفه آخر بقوله: نعم الكثير من الشباب السعودي الباحث عن فرص عمل تم استدعاؤهم لمقابلات وظيفية متعددة لجهات تقدموا لها منذ زمن، لكن الكثير منهم لم يوفق عند مقابلته لأسباب معرفية ومهارية لا ذنب لهم فيها كونهم منتج التعليم العام والجامعي الحكومي، ويقول إنه لاحظ أن مخرجات التعليم الأهلي وبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي يجتازون معايير القبول والمقابلات الشخصية، بل إن كثيرا منهم لديه أكثر من عرض يفاضل بينهم لقبول الأفضل من ناحية الأجور ومن ناحية الخبرات التي سيكتسبونها أثناء العمل.

ثالث يقول إن الفرص الوظيفية والفرص الاستثمارية متوافرة وإن الحكومة وضعت الشباب العاطلين أو الباحثين عن العمل على المحك، حيث برامج الدعم النظامي كما هو في ''نطاقات''، والدعم المالي كما هو في صندوق دعم العمالة الوطنية وبرامج دعم مبادرات الأعمال، والدعم التأهيلي حيث انتشار الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية في أنحاء المملكة كافة، التي تم رفع جودتها ومعاييرها، إضافة إلى برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الداخلي والخارجي، كما قامت الحكومة حالياً بإعادة هيكلة سوق العمل تدريجياً لتتناسب والوضع الاقتصادي للمملكة، وما تتناسب وظروف القوى العاملة الوطنية، ويضيف أنه لا عاطل إلا من يريد أن يكون عاطلا ويضع العراقيل الافتراضية أمامه، وأنه على الشباب قبول التحدي والبدء بالعمل الذاتي أو لدى الغير دون أعذار، فالتحديات سمة سوق العمل والاستثمار، وأنه على الأسر السعودية أن تدفع بأبنائها لقبول تحديات العمل بكل صورها وأشكالها.

على الطرف الآخر يشتكي أصحاب الأعمال من صعوبة في الاستثمار في السوق السعودية، بسبب تعقيدات سوق العمل الناشئة عن سياسات وأنظمة توطين الوظائف، خصوصا في المجالات التي يعزف عنها الشباب السعودي كالمطاعم والصيانة المنزلية والنظافة والحلاقة والمغاسل وورش الإصلاح وغير ذلك من الأنشطة، إضافة إلى عزوفهم عن العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لا يرغب ويتحمل العمل فيها سوى الوافدين لظروفهم الاقتصادية وبعدهم عن أعراف العيب في بلدانهم وقلة التزاماتهم الاجتماعية مقارنة بالمواطن السعودي.

وأقول من الواضح أن الحكومة والنخب الاقتصادية متفقون على أن مشكلة البطالة يجب التصدي لها بحكمة وسرعة لما يترتب عليها من مخاطر كبيرة إذا تفاقمت وتراخى الطرفان عن معالجتها، ومن الواضح أن الحكومة أكثر من جادة وصارمة في معالجتها، خصوصاً أن الأعداد القادمة لسوق العمل مستقبلاً كبيرة جداً، ومن الواضح أن القطاع الخاص الذي تحركه الربحية وتقلقه الخسارة يخشى من عدم قدرته على الاستمرارية في مرحلة التحول وإعادة هيكلة السوق لما تحدثه تلك التحولات من هزات كبيرة لا يمكن له أن يتحملها، وأعرف الكثير من أصحاب الاستثمارات الصغيرة دخلوا في خانة الخسائر ويفكرون جدياً في التخلص من استثماراتهم بعد الأنظمة الجديدة المتعلقة بالسعودة والرسوم وتطبيق نظام الكفالة بصرامة دون تهاون.

وأتساءل كما هو وضع الكثير: هل تسير الحكومة ممثلة في وزارة العمل في مسارات محددة تُحمل في مجملها القطاع الخاص كبيره ومتوسطه وصغيره حل مشكلة البطالة حيث تأخذ أموال دعم العمالة من الشركات بعد أن رفعت رسوم رخصة العمل وتجبرهم على توظيف الموارد البشرية السعودية للوصول للنطاق الأخضر كي يتسنى للمنشأة الحصول على العمالة التي تريد دون إيجاد مسار مواز يسير وفق استراتيجية ذكية وفاعلة لدعم المنشآت الوطنية لتتمكن من اجتياز هذه المتغيرات والهيكلة الجديدة لسوق العمل دون أن تدخل في مشكلات مالية مهلكة، فالمستثمر سعودي كما هو حال طالب العمل، ولا نريد له أن يعاني الخسائر ليغلق استثماراته ويثبط الآخرين من الاستثمار والتوجه لشراء الأراضي البيضاء كاستثمار آمن وغير مزعج كما يروج لذلك الكثير.

أجزم بأن توسيع نشاط القطاع الخاص الوطني وتحفيزه للمزيد من النمو وتوليد الفرص الوظيفية بمعدلات تتناسب ومعدلات نمو الداخلين لسوق العمل مقابل الخارجين منه عنصر حاسم في معالجة البطالة ومحاصرتها في النسب المعيارية دولياً، وبالتالي يجب أن يكون مسار تنمية منشآت القطاع الخاص مسارا موازيا يتمتع بالاهتمام نفسه من جهة التشريعات ومن جهة التمويل والدعم.

أيضاً يجب أن يكون مسار إعادة تشكيل وعي القوى العاملة بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة للانخراط في الاستثمارات والأعمال المهنية والفنية كأحد مجالات العمل الشريفة والمجزية والمحسنة للسمعة ليقبل الشباب السعودي عليها والاستفادة من الدخول العالية التي تدرها على المستثمرين والعاملين بها، وكذلك يجب الاهتمام بمسار حماية المنشآت الخاصة من ضعف قدرتها على المحافظة على الموارد الوطنية بعد أن تنفق الكثير على تأهيلها ومعالجة ذلك نظامياً بما لا يضر بأي من طرفي المعادلة.

ختاماً أرجو من وزارة العمل أن تفكر في تأسيس شركات مساهمة بالتعاون مع القطاع الخاص متخصصة في الأعمال المهنية ذات علامة تجارية مميزة يقبلها المجتمع تقوم باحتضان الشباب السعودي الراغب في العمل في الوظائف المهنية والفنية وتأهيلهم وتوفيرهم للمستثمرين في هذه القطاعات وفق آليات تحفظ حقوق الجميع وتحقق الأمن الوظيفي والرضا الذاتي للموظفين السعوديين أمام أنفسهم وأمام المجتمع كأحد الحلول الجذرية لمشكلة ندرة العمالة السعودية الملتزمة في هذه المجالات التي تكثر فيها العمالة الوافدة ضعيفة التأهيل والمؤهلات.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.