.
.
.
.

هل أسعار الذهب في غفوة؟

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

اقتبست العنوان من مقال للبروفيسور كينيث روغوف، من جامعة هارفارد، كتبه قبل أيام، بعد انخفاض أسعار الذهب، وكما يعرف القراء، قرابة الثلث خلال الآونة الأخيرة.

ما كتبه كينيث يتلخص في محاولة الإجابة عن السؤال التالي : هل انخفاض أسعار الذهب الأخير يتسم بالثبوت، بمعنى أننا نتوقع استمرار أسعار الذهب منخفضة الانخفاض الحالي سنين طويلة، أم أن هذا التوقع فيه تبسيط زائد للوضع؟ طبعا لا يخفى على القراء أن الذهب أصل غير منتج، لا يعطي عائدا وليست له استخدامات كثيرة. لكنه يبقى غاليا جدا، حتى مع نزول أسعاره في الأسابيع الماضية.

ربما يستنتج القارئ الجواب من العنوان. لكنه لا ينبغي أن يفهم لزوم توقع ارتفاع أسعار الذهب على المدى القصير (بما لا يتجاوز عاما تقريبا) إلى المستويات القياسية المحققة عام 2011. بل المقصود توقع عودة بعض الارتفاعات السابقة في الأسعار.

نعرف أن أسعار الذهب ارتفعت ارتفاعا حادا، خلال السنوات العشر الماضية. لكن ارتفاع الأسعار ارتفاعا حادا خلال السنوات العشر الماضية ليس خاصا بالذهب. ارتفع الدخل وارتفعت أسعار الأسهم والنفط وكل شيء تقريبا بنحو ثلاث إلى خمس مرات، مع وجود فارق. اكتناز الذهب يعد أداة تحوطا ضد الأزمات الاقتصادية بغض النظر عن أسبابها.

تبعا للتحوط، ترتبط أسعار الذهب ارتباطا وثيقا بمتغيرات كأسعار النفط وأسعار الدولار. ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع أسعار الذهب، أما في حالة الدولار فالعكس. وتتأثر أسعار الدولار بأوضاع أمريكا الاقتصادية وأوضاع مغامراتها العسكرية والسياسية، والأوضاع في الدول والكتل الاقتصادية الكبرى.

وصلت أسعار المعدن النفيس الذروة نحو 1800 دولار للأوقية خلال الثلث الأوسط من عام 2011، ثم نزلت إلى نحو 1200 دولار مطلع تموز (يوليو) الحالي. ارتبط الانخفاض السريع بالتكهنات بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي ينوي تقليص برنامجه في التحفيز الاقتصادي، أو ما يعرف بالتيسير الكمي، مع ظهور ما يراه الاحتياطي بوادر تحسن في الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي. تبع إعلان نوايا الاحتياطي توجهت أعداد كبيرة من المستثمرين لبيع الذهب والفضة. وفي الوقت نفسه صعدت الأسهم والدولار مع تحسن توقعات الاقتصاد العالمي.

لدينا أسباب معقولة تفسر الارتفاع في الأسعار خلال السنوات الأخيرة، لكن من الصعب القول إن هذه الأسباب تعطي تفسيرات كافية لمستوى واتجاه ارتفاع الأسعار. تبقى هذه خاضعة للأخذ والرد. ولذا ليس من المستغرب أن رأى باحثون كثيرون أن الأسعار المرتفعة في السابق عكست في بعضها أساسيات السوق، وفي بعضها فقاعة في الأسعار.

من جهة أخرى، وكما قال كينيث، قد يكون الاحتفاظ بالذهب منطقيا أيضا بالنسبة للطبقة المتوسطة والأسر الفقيرة في البلدان التي تقيد إلى حد كبير القدرة على الوصول إلى استثمارات مالية أخرى مثل الصين والهند.

وفي دراسة نشرت في يناير الماضي، درس الخبيران الاقتصاديان كلود إرب وكامبل هارفي عدة نماذج احتمالية للسعر الأساسي للذهب. وتوصلا إلى أن الذهب لا يرتبط بأي منها إلا من بعيد. بل وجدا أن سعره ينجرف بعيدا في كثير من الأحيان إما إلى أعلى بكثير أو أدنى بكثير من قيمته الأساسية الطويلة الأجل وذلك لفترات ممتدة. ولا يختلف هذا السلوك بطبيعة الحال عن سلوك العديد من الأصول المالية الأخرى، مثل أسعار الصرف أو أسعار الأسهم، ولو أن تقلبات سعر الذهب قد تكون أكثر شدة.

النقطة التي توصل إليها كينث وتوصل إليها الخبيران السابقان أن الانهيار الأخير في أسعار الذهب لم يغير حقا من الحجة الداعمة للاستثمار فيه بطريقة أو بأخرى. حتى لو افترضنا احتمال انخفاض الأسعار إلى نحو ألف دولار للأوقية، لكن احتمال ارتفاعها ارتفاعا بينا في وقت لاحق قوي. ومن ناحية أخرى يتعين على صناع السياسات أن يتوخوا الحذر في تفسير الهبوط في أسعار الذهب باعتباره تصويتا على الثقة بأدائهم.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.